دولة دمرت الجامعة
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
طارق كاريزي 07/05/2022

دولة دمرت الجامعة

ربما يكون العنوان صادما. أي دولة تلك التي تبادر الى استهداف الجامعة جوّا وتفني من فيها من طلاب واساتذة وتدمر بنيان الجامعة لتحيله حطاما متراكما؟ هذا بالضبط قد حصل يوم 24 نيسان من عام 1974 من قبل الحكومة العراقية آنذاك. اليكم القصة باختصار شديد.

بعد تراجع الحكومة العراقية وتملصها من تطبيق بنود اتفاقية 11 آذار 1970 مع قيادة الثورة الكوردستانية، أخذت الامور تسير نحو التأزم والتقاطع، فالحكومة العراقية كانت، مثلما وصفها محافظ كركوك عام 1972 لأحد الرموز الاعلامية في المدينة ومن العاملين في تلفزيون كركوك الحكومي آنذاك، حين قال المحافظ بصريح العبارة وبالدارجة العراقية "كاكا، اتفاقية آذار مو مثل ما تتصورون." في اشارة من المحافظ المعين من قبل بغداد لادارة كركوك، الى ان الاتفاقية مع كل بنودها الايجابية التي وافق عليها الطرفان وتم التوقيع عليها رسميا، الا ان الحكومة العراقية اتخذت من الاتفاقية فرصة مناورة لاحتواء الثورة الكوردستانية ومن ثم الالتفاف والانقضاض عليها الى حد اجهاضها.

وهكذا اخذت الامور تسير نحو التدهور منذ العام الثاني من الاتفاقية، ومع ان قيادة الثورة الكوردستانية كانت مصرّة على تلافي الحرب والصدام، لكن تواصل التضييق ضد الثورة والتراجع عن بنود الاتفاقية وتصاعد وتيرة التطاول على الشعب ورموز الثورة والمناصرين لها، دفع الامور في النهاية الى طريق مسدود، وبذلك وجدت قيادة الثورة الكوردستانية نفسها امام مفترق طرق، فأما الخضوع المذل لشروط الحكومة العراقية، او اختيار طريق عدم الخضوع والدفاع عن الحقوق العادلة لشعب كوردستان والمطالب الواقعية للثورة. والاختيار الثاني يليق بالثوار وكان ذلك الخيار الوحيد أمام الثورة، وبذلك بات الطرفان على ضفتي مسار متواز لا يلتقيان الا في الصدام المسلح.

الثورة الكوردستانية كانت في اوج مدها الجماهيري وكان الكورد عموما والكوردستانيون اجمالا من مناصري الثورة ومن المؤيدين لقيادتها. وهكذا عندما سارت الامور نحو الصدام المسلح، خصوصا بعد قيام الحكومة العراقية بدفع اكبر قدر من القطعات والتعزيزات العسكرية بمختلف صنوفها البرّية والجوية للانخراط في سلسلة من الهجمات العسكرية ضد كوردستان وثورتها التحررية، وتزامنا مع تزايد التهديدات ضد شعب كوردستان، زحفت الجماهير الكوردستانية من مختلف الشرائح والطبقات نحو صفوف الثورة الكوردستانية، ايمانا منهم بعدالة الثورة وحكمة قيادتها. وجامعة السليمانية آنذاك كانت الوحيدة في كوردستان، قرر اساتذة وطلبة الجامعة اجمالا الانخراط في الثورة الكوردستانية.

ومن تقاليد الثورة الكوردستانية الحرص الشديد على عدم حرمان الاجيال الصاعدة من الطلبة من مواصلة الدراسة مهما كانت الظروف، وفي هذا المنحى تم افتتاح جامعة السليمانية في مدينة قلعةدزة باعتبارها مدينة محررة وبنفس ملاك الجامعة ومناهجها التدريسية عندما كانت في مدينة السليمانية. هذه الخطوة الجريئة والمبادرة الحضارية للثورة الكوردستانية اثارت غضب الحكومة العراقية التي ما برحت تصنف الثورة كتمرد كوردي وتصف الثوار كعصاة ومخربين، فكيف يكون مخربا او عاصيا من يرعى ويدير الجامعة وفي ظرف عسير كظرف الثورة؟

ومن اجل النيل من الثورة الكوردستانية وقطع الطريق أمام خطواتها البناءة، قررت الحكومة العراقية ضرب جامعة السليمانية في قلعةدزة بسلاح الطيران، وبالفعل فقد نفذ سلاح الجوّ العراقي يوم 24/نيسان/1974 ضربة قاتلة ضد الجامعة مستخدمة قنابل النابالم المحرّمة دوليا وأدى الهجوم الوحشي الذي استهدف طلبة الجامعة واساتذتها الى استشهاد أكثر من 100 شخص وجرح أكثر من 300 آخرين.

مئة عام من عمر الدولة العراقية مترعة بآلام وجراح عميقة في ضمير الكوردي الذي الحق جزء من وطنه بالمملكة العراقية التي رسم البريطانيون حدودها. اشكالية استيعاب الكوردي ضمن اطار الدولة العراقية مازالت قائمة، وتأريخ قرن من العلاقة بين الكورد وبغداد تفصح عن قلق وعدم استقرار مصحوبان بصدامات لم تنتهي. ومع ان الثورة الكوردستانية لم تلجأ الى النضال المسلح الا من اجل الدفاع عن الارض والانسان، ولم تمارس العنف والارهاب ولم تستهدف المدنيين، الا ان قوات الدولة العراقية مارست البطش المفرط وحملات الارض المحروقة والابادة واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا.

شهد عام 2003 انعطاف كبير من حيث العلاقة بين بغداد ومواطنيها الكورد، الا ان سياسيي العهد الجديدة ايضا عجزوا عن تقديم الحلول النهاية للازمة الكوردية التي تأن تحت وطأة جراحات عميقة.