عودة أردوغان إلى لعب ورقة أوجلان
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
بكر صدقي 26/01/2022

عودة أردوغان إلى لعب ورقة أوجلان

في كلمته أمام المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «القابع في أدرنة سيقدم كشف الحساب الأكبر لذلك القابع في إيمرالي». ربما الحرج هو ما جعل أردوغان يتجنب ذكر اسمي الزعيمين الكورديين، صلاح الدين دمرتاش (القابع في سجن أدرنة) وعبد الله أوجلان (القابع في سجن إيمرالي) وهو حرج ناجم عن شيطنة الساسة الكورد التي تمارسها السلطة وإعلامها منذ سنوات طويلة، في الوقت الذي يمكن أن يتعرض فيه أي شخص في تركيا يأتي على ذكر الشخصيتين المذكورتين في غير سياق اتهامهما بالإرهاب والنزعة الانفصالية وغيرها من الاتهامات الرائجة لدى الحزب والتحالف الحاكمين ووسائل الإعلام المروجة لخطاب السلطة.

وتابع أردوغان كلامه قائلاً: «قد يظن البعض أن الأمور هي على خير ما يرام، لكن الحقيقة هي بخلاف ذلك، فهم يعيشون فيما بينهم محاسباتهم الخاصة. هذه المحاسبة ستتم»!

نفهم من هذا الكلام أن هناك خلافات داخلية عميقة بين من يمثلهم دمرتاش ومن يمثلهم أوجلان داخل الحركة السياسية الكوردية، وأن الثاني هو من سيحاسب الأول. كما نفهم أن الرئيس أردوغان يتابع هذه «المحاسبة الداخلية» عن قرب، ويقول ما يقول بثقة العارف. كما نفهم من نص الكلام شيئاً أقرب إلى انحياز القائل إلى «إيمرالي» مقابل العداء الصريح لدمرتاش وحزب الشعوب الديمقراطي الذي كان يرأسه قبل سجنه في العام 2016. وهو ما يتسق مع سابقة تعود إلى حزيران العام 2019 حين أفتى أوجلان بوجوب ابتعاد الناخب الكوردي عن الانحياز لأي طرف في انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول التي فاز فيها مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو، بفارق كبير، على مرشح العدالة والتنمية بن علي يلدرم، بفضل دعم ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي له.

ففي تلك الانتخابات المعادة، بسبب اعتراض الحزب الحاكم على نتائج الانتخابات الأولى في نهاية آذار من العام نفسه، كانت السلطة مستميتة في التمسك ببلدية إسطنبول بسبب أهميتها السياسية والرمزية، وبخاصة بعدما فقدت رئاسة بلدية العاصمة أنقرة ومدن أخرى مهمة. وقد حشدت كل إمكانياتها وموارد الدولة لتحقيق الفوز المأمول لمرشحها، وكانت إحدى العقبات الحاسمة في طريقها هي موقف حزب الشعوب الذي دعا ناخبيه إلى دعم مرشح المعارضة والتصويت بكثافة لإنجاحه. وكان مهندس هذا الموقف هو الزعيم السابق للحزب دمرتاش الذي قاد المعركة الانتخابية من سجنه، في استئناف لرؤيته السياسية، منذ العام 2015، الذي قام على شعار رفض ترئيس أردوغان، بمعنى رفض مساعيه لتغيير النظام البرلماني إلى رئاسي.

كان حصاد ذلك الموقف متناقضاً: فمن جهة أولى جذب إلى التصويت لحزبه ناخبين جدداً من غير الكورد، ديمقراطيين وليبراليين ويساريين أتراكاً، ففاز الحزب بأكثر من 13 في المئة من أصوات الناخبين في عموم تركيا، وهو ما أهل الحزب لدخول البرلمان للمرة الأولى في تاريخه بلوائحه الخاصة من المرشحين، وحصل على 80 مقعداً نيابياً في البرلمان، وهي كتلة وازنة في الحسابات السياسية التركية، جعلت حزب العدالة والتنمية غير قادر على تشكيل الحكومة بمفرده للمرة الأولى منذ صعوده إلى الحكم في العام 2002. هذا مؤشر نجاح كبير للحزب الكوردي لا يمكن الجدال حوله.

ولكن من جهة ثانية، استجلب الحزب ورئيسه دمرتاش بالذات على نفسه غضب أردوغان. وتضافرت عمليات استفزازية قامت بها عناصر تابعة لحزب العمال الكوردستاني، والعمليات العسكرية الكبيرة لقوات الأمن والجيش، في صيف العام 2015، ورفض أردوغان لتشكيل حكومة ائتلافية مع أي حزب آخر، إلى إعادة تلك الانتخابات في خريف العام نفسه، ليفوز حزب العدالة والتنمية بنتيجتها بالأغلبية المطلقة التي أهلته مجدداً لتشكيل الحكومة بمفرده.

أما رفض الحزب الكوردي للنظام الرئاسي الذي كان يريده أردوغان، فقد حصل دمرتاش على ما أراد، وطويت فكرة تغيير النظام إلى رئاسي في ذلك الوقت. لكن الأمور ستتغير، بعد سنة واحدة، وسيفتح فشل الانقلاب العسكري الذي جرى في منتصف تموز 2016، الباب أمام تحالفات جديدة، فيعود حزب الحركة القومية برئاسة دولت بهجلي إلى طرح الفكرة من جديد، في إطار انتقاله من المعارضة إلى التحالف مع العدالة والتنمية، وصولاً إلى تغيير النظام فعلاً بموجب استفتاء شعبي جرى في 16 نيسان 2017.

التعارض بين خط دمرتاش وخط أوجلان لا يقتصر على مواقفهما المتعارضة في المناسبات الانتخابية، بل تشكل هذه الأخيرة نتائج خلافات أعمق تتعلق برؤية الرجلين للقضية الكوردية. ففي حين يعمل دمرتاش على تسييس النضال الكوردي، أي المشاركة السلمية الإيجابية في الحياة السياسية العامة، تقوم رؤية أوجلان على ضرورة الاستفادة من الضغط العنفي لتحقيق مكاسب سياسية. كذلك يرى قادة حزب العمال الكوردستاني، بمن فيهم أوجلان، في النجاحات السياسية لحزب الشعوب الديمقراطي تهديداً لزعامتهم ودورهم، فيما يتطلع دمرتاش ورفاقه إلى التحرر من هيمنة «الكوردستاني» على الحركة، تلك الهيمنة التي أدت في مناسبات عديدة إلى تجاوز دمرتاش داخل حزبه بالذات. ويسعى دمرتاش إلى تحويل الحزب من حزب يخص الكورد والقضية الكوردية إلى حزب لكل تركيا وقضاياها، حزب ديمقراطي يسعى ليكون بديلاً عن التيارين الإسلامي والعلماني معاً، في حين يهدد هذا التوجه بذوبان القضية الكوردية من وجهة نظر الحزب الكوردستاني وأوجلان. قبيل انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول، 23 حزيران 2019، بأيام قليلة استحضرت السلطة رسالة من أوجلان بهدف التأثير على الناخبين الكورد في إسطنبول، وظهر شقيقه عثمان أوجلان على القناة التلفزيونية الحكومية الناطقة باللغة الكوردية ليوجه رسالة مشابهة لرسالة أخيه السجين، مع العلم أن عثمان مطلوب من القضاء التركي بتهم إرهابية. ولم تنفع هذه المحاولات، بل ربما أعطت نتائج عكسية. فهل تنجح محاولة أردوغان الجديدة في اللعب بورقة أوجلان من أجل تغيير اتجاه الرياح التي تهب بعكس ما يشتهيه؟ مع العلم أن موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية هو مبدئياً حزيران 2023، ما لم يتم تغييره إلى موعد أبكر.