نورالدين زازا الظاهرة السياسية التي جسدت الحالة الوطنية الكوردستانية
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
عبد الرحمن كلو 15/10/2021

نورالدين زازا الظاهرة السياسية التي جسدت الحالة الوطنية الكوردستانية

عند تناول أي حدث أو ظاهرة سياسية من المفيد أن تكون القراءة في إطارها الزماني والمكاني لما لهذين البعدين من أهمية للحالة الوظيفية للحدث أو الظاهرة، ولهذا السبب سوف أتجنب التوصيفات التقليدية المبسطة لظاهرة نورالدين زازا السياسية، وسأحاول إستخدام  ما أمكن من الأدوات المعرفية للتحليل السياسي كي أتجنب الإبتذال والسقوط في التوصيفات الإرتجالية الساذجة, لذا يستوجب علينا ان نضع الفاعل السياسي وجها لوجه امام كل تحديات القوانين الخاصة بالزمان والمكان للدائرة البحثية التي نتوخى العمل في إطارها مستعينًا بشيء من التاريخ حينًا وبراهنية الوضع السياسي في مرحلة ما بعد " زازا" أحيانا أخرى.

وعلينا التنويه أن نورالدين زازا كظاهرة سياسية يمتلك اكثر من دائرة بحثية ولكل دائرة مركزها وعلاقاتها المحيطية المتداخلة المتواترة،وعليه فهذه الظاهرة تحتاج لجهد جماعي مؤٍسساتي متكامل تمكنه تغطية كل مساحات وجوانب هذه الشخصية التاريخية, ولهذا من المفيد أن نحدد وجهتنا البحثية أولا ونسميها باسمها لكي نلزم أنفسنا بالمسار الإفتراضي المحدد والمعرف بمحيطها الزماني والمكاني, وآثرنا هنا على اختيار البيئة الجغرافية السياسية ل"زازا" وتوضيح شكل العلاقة بين " الوطني الكوردستاني التاريخي " وبين ما هو ينتمي إلى " الدولة المستحدثة " لنتجنب السقوط في شرك المفاهيم والمصطلحات  السياسية لمرحلة ما بعد سايكس, التي فرضت قواعد سياسية مستجدة بما يتوافق مع نجاح مشروع الدولة الناشئة وديمومتها.

واختيارنا لهذا الجانب كان من قبيل وضع حدود واضحة المعالم بين مفاهيم طرفي نقيض, حيث يجهل البعض الخطوط الفاصلة بين الوطن والدولة وما يحملهما هذين المفهومين من مضامين سياسية وقانونية, أو ربما البعض يتجاهل هذه الفروقات ويتعمد الخلط لأهداف سياسية آنية؟  

نورالدين زازا من تركيا إلى سوريا. متى وكيف ولماذا..؟

هذه التساؤلات التي تبدو للوهلة الأولى وكأننا نتحدث عن أحد أفراد عائلة أوروستقراطية تعيش في مدينة النحاس  وتمتلك ما لا يمتلكها كونتات البلاد الأوربية في العصر الوسيط , أو كأننا نتناول المسافات المترية عند الحديث عن الإنتفال وتخطي الأسلاك الشائكة ببن دولتين وفقط. الحقيقة السياسية ليست بتلك البساطة التوصيفية, لأن الظاهرة أكثر تعقيداً من ذلك , خاصة إذا ما أدركنا ظروف وحيثيات زمان ومكان نشأتها, لذلك علينا القبول بأن نوردالدين زازا الذي نشأ في معمعان دراما نتائج الحرب العالمية الأولى وتداعياتها, يمتلك أكثر من بعد سياسي  في الجانب الزماني الذي تقاطع مع مرحلة انهيار الإمبراطورية ونتائج هذه الحرب على الصعيد الدولي والعلاقات الدولية, كما وعلى صعيد الشرق الأوسط  وفق خصوصية مكانية أقرب , وفي الجانب المكاني شغلت هذه الظاهرة كل مساحة كيانات الجغرافيا البشرية والسياسية للإمبراطورية العثمانية المتضعضعة, أو كما يقول زازا " امبراطورية مجزأة ومصير غامض لكوردستان"  والمنظومة النمطية السياسية التي ابتكرتها تركيا الأتاتوتركية ساهمت إلى حد كبير في تكوين شخصيته الوطنية الكوردستانية, بكل الأحوال شكل "زازا" ظاهرة سياسية فريدة ومتميزة واستطاع أن يحدد خطوطا عريضة لمسار سياسي محدد ومعرف على الرغم من وجود خيارات كثيرة سانحة وسالكة على عكس الطريق الذي سلكه كخيار استراتيجي لوجهته الحياتية, وبانتقاله من تركيا الدولة إلى سوريا الدولة لم يكن يعني سوى أنه انتقل من ضفة إحدى أنهار الوطن إلى الضفة الضفة المقابلة, إذ أنه ورغم تجاوزه حدود الدولة لكنه بقي في الوطن, أو بتعبير آخر مستجدات الحالة التركية أرغمته على الإنتقال من " الرغبة" إلى إلى " الممكن", وهذا ما فرض علينا توضيح الإشكالية بين الدولة والوطن, لكن كيف ولماذا..؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه .

 

الاشكالية بين مفهومي الدولة والوطن.

بداية - وقبل الخوض في توضيح هذه الإشكالية - نؤكد بأننا بقدر الحاجة لإستخدام المصطلحات والتعريف بها لما لها من أهمية في تناول المسائل السياسية والقانونية بنفس القدر علينا تجنب المألوف التقليدي لثقافة العهود الإستعمارية , لهذا السبب لسنا هنا بصدد إعادة إنتاج التعاريف والتوصيفات المدرسية بخصوص المفاهيم الخاصة بالدولة أوالوطن, بل ما نريد تناوله والتعريف به هي تلك الحالة الوطنية الكوردستانية التي بقيت عصية على التقسيم والتفتت رغم الحدود التي رسمتها الأسلاك الشائكة لدول سايكس بيكو, والفرق بينها كظاهرة تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ وبين حالة الدولة القائمة بحدود سياسية مرسومة بالقلم والمسطرة, صحيح أن سايكس بيكو ونتائج الحرب الكونية الأولى استطاعت تغيير خارطة منطفة الشرق الأوسط وإنشاء دول بمواصفات استعمارية خاصة, لكنها مجتمعة لم تستطع اختزال الأوطان التي شكلت منها هذه الدول , والأوطان المنعزلة في تلك الدول، /الوطن ­patriotism / أو الأوطان التاريخية للأمم هي الفضاءات والحاضنات الروحية والعقائدية والمادية والثقافية، وتمتد بعمرها إلى مئات بل آلاف السنين وهي الفضاءات المكانية  لصيرورات الأمم بكل ما لدى الأمة كظاهرة تاريخية من ثقافات وفكر وقيم روحية أو طقوس أو لغات ولهجات او تراث وتقاليد أو ولاءات وانتماءات عرقية، من الماضي السحيق إلى الحاضر ومن ثم إلى الأجيال التي لم تولد بعد، لذا ليس فقط من الصعوبة بمكان بل من الاستحالة أن يتم اختزال الأوطان من خلال دولة صنعية تفتقد إلى الشرعية ولادةً ونشأةً، هذا لأن حدود الأوطان مسيجة بتاريخ الأمم وحاضرها, ويمكن الاستشهاد بالتاريخ القريب للتجربة السوفييتية القريبة إذ تحطمت تلك الدولة بأبعادها الإمبراطورية وتفتت على صخرة الشرعية التاريخية للأوطان المنعزلة، بعد تجربة دامت أكثر من سبعين عاماً , رغم قوة كل الجبروت الذي امتلكته الآلة العسكرية والأمنية الشيوعية والتي روجت كثيراً على أنها وصلت إلى درجة تماهي الدولة مع الوطن, وأن الدولة باتت للشعب بأسره،  والإدعاء بأن الحالات القومية والخصوصيات الوطنية التاريخية تماهت في الحالة  " الوطنية  الجديدة " االمتمثلة بالدولة السوفييتية.  

وهنا وأمام المشهد السياسي لإمبراطورية مجزأة ومهزومة كان من الطبيعي أن يحضر التاريخ نفسه في كل عمل أو نشاط سياسي, لأن هشاشة الدولة بحدودها المتحركة في كل اتفاق ومعاهدة كان يعني العودة إلى أوطان الجغرافيات البشرية لمرحلة ما قبل الحقبة العثمانية و" مشروعية " الدولة الحديثة .

وبما أن المسافات الزمنية باتت مسألة نسبية في مرحلة بناء تركيا الحديثة فكل التواريخ والأرقام باتت حاضرة وخاضعة لمقاربات ومقارنات الفعل السياسي , فإذا كانت إمبراطورية الأمس والتي دامت 600 عامًا , من 1299 إلى 1923 م تنهار اليوم وهي مضرجة بدمائها فمن الطبيعي أن يستذكر الفعل السياسي مرحلة ماقبل الإمبراطورية ويخطط لما بعدها ويحاول  من خلالها تصحيح الذاكرة المشوشة لتلك الحقبة, إذًا فالعودة إلى جالديران عام 1514 قبل حوالي 400 عام , أو التذكير بالاسم القديم لإستانبول من بيزطة إلى القسطنطينية وتاريخ سقوطها عام 1453 م أي أنها قبل 550 عامًا كانت المدينة يونانية , وحتى أنقرة اسمها أنكورا باليونانية وحتى الأن يكتب الاسم بالأبجدية اللاتينية في المصادر الغربية أنجيرا  أو أنجورو في بعض المصادر, وحتى في فترة الدولة العثمانية كان أسمها أنجورة  واعتبارا من القرن السادس عشر أصبح الاسم الرسمي للمدينة أنقرة.

البانتوس ...!

نعم مملكة البنتوس أو الإمبراطورية البنطية التي تمتد بتاريخها ألى ماقبل العصر الروماني سكانها الأصليين من  قبائل الأمازون البيزنطية القديمة والتي أصبحت جزءا من الإمبراطورية الرومانية , والتي بلغت أوج توسعها مع قيام امبراطورية ترابزون البيزنطية  هذه الجغرافيا تتداخل مع الجغرافيا البشرية لشمال كوردستان من سيواس غربا مرورا بأرزروم وحتى قارس شرقا  بما في ذلك مدينة النحاس مسقط رأس نوالدين زازا نفسها , والبنتوس أو اليونانيون بحسب القاموس الحديث للتوصيف والتسمية ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية وأعلنوا الاستقلال في مناطق جنوب البحر الأوسط  باسم جمهورية البنتوس هذا بعيد الحرب العالمية الاولى  بسنوات قليلة وبدعوة من الاسقفيات اليونان الارثوذكس, إلا أنهم تعرضوا إلى مذابح و" الإبادة الجماعية لليونانيين أو مذابح اليونانيين البونتيك، كانت إبادة جماعية منهجية ضد السكان المسيحيين اليونانيين العثمانيين، والتي نفذت في وطنهم التاريخي في الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها (1914-1922). وتم تحريض الإبادة من قبل الحكومة العثمانية والحركة الوطنية التركية ضد السكان الأصليين من اليونانيين للإمبراطورية اليونانية في البنطس وغيرها من المناطق التي تقطنها الأقليات الإغريقية. وتضمنت الحملة مذابح، وعمليات نفي من المناطق والتي تضمنت حملات قتل واسعة ضد هذه الأقليات؛ متمثلة في مجازر وعمليات الترحيل القسري من خلال مسيرات الموت أو الإعدام التعسفي، فضلًا عن تدمير المعالم المسيحية الأرثوذكسية الثقافية والتاريخية والدينية. وخلال حقبة الاضطهاد والمذابح ضد اليونانيين في القرن العشرين، كانت هناك العديد من حالات التحول القسري تحت تهديد العنف إلى الإسلام. " ويكيبيديا الإبادة الجماعية لليونانيين .

هذه الأحداث من التاريخ القديم والحديث للجغرافيا المتاخمة للبيئة المحيطية لنورالدين زازا لن تكون مجرد أحداث وفقط, بل هي تاريخ أوطان وإمبراطوريات ازدهرت وقويت شوكتها وتوسعت ثم حاربت وسقطت وغيرت من كل مواصفاتها وخصوصيتها الديموغرافية والجيوسياسية, إذ أخرجت الفاعل السياسي من سكة الدولة إلى سكة الوطن ,  كيف لا وهو إبن العائلة الوطنية الأرستقراطية المثقفة التي لا تكتفي بالقراءة والمراقبة عن بعد بل تساهم في صناعة الأحداث , لا شك أن زازا هو ابن بيئته أولا وبحكم انتمائه الطبقي  وامتلاكه لناصية المعرفة البيئية قدر له أن يجسد لوحدة حال تفاعلية مع كل ما جرى وما كان يجري في أرجاء الإمبراطورية المتمزقة النازفة, وعليه فقراءته للتاريخ ورؤيته للحدث في بلاد البنتوس لم تكن قراءة عابرة خاصة وأنهم عاشوا معه في بلدته "مادن" كشركاء للحالة الروحية والعاطفية المتعابشة إلى جانب قوة العلاقات الإقتصادية أو المصالح المشتركة , وربما حالة البنتوس كانت بمثابة قراءة مكثفة للتاريخ العثماني والتركي تجاه الشعوب والأقليات غير التركية أو بتعبير أدق غير المستتركة.

 تركيا الحديثة .

بغياب المشروع الوطني من لدن أنظمة حكم الدول، لا يمكن الحديث عن  حالة وطنية متبلورة متمثلة بالدولة القائمة أو متماهية معها، حيث يبقى النزوع والميل لانتماءات ما قبل نشوء تلك الدولة قوياً جداً، وهذا ما صاحب مرحلة التأسيس لتركيا الحديثة, إذ تحولت الإمبراطورية إلى دولة قوموية بمواصفات فاشية, جاء هذا التحول بمشاركة مباشرة من أوروبا المسيحية كورد على طبيعة الدولة العثمانية وهويتها الإسلامية وساهم الغرب المسيحي بالتعاون مع المحفل الماسوني اليهودي في بناء هذه الدولة, وانضم إلى مشروع الدولة الحديثة العلويين واليهود بشكل أساسي إضافة إلى بعض الفئات من الكورد المنسلخين كأفراد والأثنيات الأخرى , والسبب الأساسي في هذا الدعم والمشاركة هو طبيعة وشكل علاقة العلويين واليهود مع الدولة, حيث الحالة الوطنية نوافقت مع حالة الإنتماء للدولة , على عكس الرؤية السياسية الكوردية التي كانت تمتلك طموحًا وطنيا كوردستنيا منفصلً عن تركيا , ولهذا وجد العلويون في إجراءات أتاتورك فرصة مهمة لأداء دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية، وأصبحوا الدعامة الأساسية للنظام العلماني، وهم يرفعون صورة أتاتورك إلى جانب صورة علي بن أبي طالب وحاجي بكتاش في جميع مناسباتهم الوطنية والدينية، ومع الانفراج السياسي والتعددية الحزبية في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية انضم العلويون لأحزاب اليسار العلمانية وأعلنوا تأييدهم لانقلاب عام 1960 وشاركوا في إعداد دستور 1961 الذي نص على الكثير من الحريات الدينية ما زاد من نشاطهم الديني والاجتماعي والإعلامي ونجحوا في إشغال نحو (15) مقعدا نيابيا في انتخابات العام 1965، وشكلوا العشرات من الجمعيات للطائفة العلوية، فضلا عن قيامهم ببناء قوة رأسمالية مهمة في بعض دول أوروبا الغربية توازي قوة المسلمين السنة.

والملاحظ رغم أن الحياة السياسية والاقتصادية لليهود كانت تسير بخطى متوازية مع المراحل المختلفة لطبيعة الحياة داخل الدولة العثمانية، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر على وجه الخصوص كان ذلك بمثابة العصر الذهبي بالنسبة ليهود الدولة العثمانية,إلا أن اليهود ضاعفوا من مساندتهم ودعمهم لجهود أتاتورك لتأسيس دولة علمانية في تركيا إذ كانوا طلاب نفوذ وسلطة وليسو طلاب أرض ووطن , واستثمروا نفوذهم المالي والإعلامي لتأكيد هذا الدعم وتقوية الأحزاب العلمانية بعد ذلك ويذكر أنه كان لهم دور كبير في انقلاب عام 1909 هذا ما أزاد من فعاليتهم السياسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, وساندوا أتاتورك في إنشاء مؤسسات الدولة على النمط الغربي لأهداف سياسية, وسرعان ما قطفوا ثمار هذا الحضور السياسي إذ اعترفت تركيا بدولة اسرائيل عام 1949 أي بعد عام واحد من قيام الدولة .

لكن لعل التاريخ الأكثر اضطرابا وحساسية للقضية الكوردية في تركيا في المرحلة الإنتقالية من الإمبراطورية إلى الدولة  يكمن في الأعوام التي تلت الحرب مباشرة بدءًا من تاريخ إعلان ولسون مبادؤه الأربعة عشر حول شروط السلام وإعادة بناء أوروبا وحق تقرير مصير الشعوب وخاصة البند الثاني عشر الذي يقول فيه : ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير, ومن ثم مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 , وسيفر عام 1920 ولوزان 1923 وكيف تحول سيفر إلى لوزان.وهنا بدأ النزيف الكوردي.

النزيف الكوردي

تركيا الجديدة التي شكلت الحاضنة الأولى لتشكل وبلورة ظاهرة " زازا" السياسية, كانت بطبيعة تنوعها الجغرافي السياسي والبشري وبكل أبعاد تعقيداتها نتيجة لولادة قيصرية مؤلمة, لذا كانت – إضافةً إلى الضغوطات الأوربية وتدخلاتهم المباشرة - تنزف من الداخل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية, وذلك من خلال الثورات والإنتفاضات الكوردية التي كانت بمثابة امتداد لحالة الرفض الكوردية مند العهد العثماني , والثورات الكوردية الحديثة بدأت منذ عام 1922 مع نشوء الوعي القومي الكوردي بموازاة نشوء دولة تركيا الحديثة , ثورة الشيخ سعيد بيران  1925, وبعدها انتفاضات الاستقلال في جبل آرارات  1930 وثورة ديرسم 1937, هذا بالتوازي مع حالات الرفض السياسية التي نشأت في الفترة الإنتفالية بين إنهيار الدولة العثمانية وتأسيس تركيا الحديثة. “ يبدو جلياً أن أول جمعية كوردية قد ظهرت في تلك الحقبة عام 1908م، وهي: جمعية التعاون والترقي الكوردية، التي كان جل أعضائها من أبناء رؤساء العشائر ومن المثقفين الكورد، وكانت مبادئها تجمع بين الإسلام والقومية، وقد بعث مؤسسو الجمعية رسالة إلى السفير البريطاني في الأستانة تضمنت الأسباب التي دفعتهم إلى تشكيل الجمعية، مطالبين منه إشعار حكومته بذلك ودعوتها إلى تقديم العون والمساعدة للشعب الكوردي لتحقيق أهدافهم. ومع ذلك فإنها كانت تتوقع مد يد العون من فرنسا في تلك الحقبة، لأنهم كانوا متأثرين إلى حد ما بالأفكار الديمقراطية لمبادئ الثورة الفرنسية (حرية - إخاء - مساواة) نتيجة العلاقات التاريخية بين الباب العالي والحكومة الفرنسية، واعتماد النظام القضائي العثماني على التشريعات الفرنسية والسويسرية بعد إقرار نظام الإصلاحات العثماني الذي أقر في منتصف القرن التاسع عشر جراء ضغوط أوربية بشأن كيفية التعامل مع الأقليات غير الإسلامية واعتبارهم مواطنين؛ كل ذلك مما زاد من جرعات المنتجات الحضارية غير الإسلامية في الساحتين السياسية والثقافية للمثقفين المسلمين العثمانيين من شتى الأعراق: التركية والعربية والكوردية وغيرها.

وفي التاسع من أغسطس 1912م قرر بعض الطلاب الكورد الدارسين في معهد (خلق ألي زراعي) وأكاديمية الطب في إسطنبول تأسيس جمعية (هيفي الكوردية/ أمل الكورد)، وكان لعائلة (جميل باشا) من ديار بكر الدور الأساسي في تأسيس هذه الجمعية التي كان لها دور أساسي في الحياة السياسية الكوردية فيما بعد، وفي إيقاظ الشعور القومي الكوردي. وعقدت الجمعية مؤتمرها الأول في مدينة لوزان السويسرية في عام 1913م وانتخب فيها (ممدوح سليم) سكرتيراً للجمعية، حيث هاجم في كلمته الافتتاحية مواقف بعض رؤساء العشائر الكوردية تجاه القضية القومية، كما انتقد الدعوات المطالبة بعدم تدخل الشباب الكوردي في السياسة. وبرغم القيود التي فرضتها السلطات العثمانية على جمعية هيفي؛ إلا إن أعضاءها قرروا مواصلة نشاطهم الثقافي والسياسي بهدف تعريف الشعوب العثمانية بالهوية الكوردية، فأصدروا في العام نفسه 1913م مجلة (روزي كورد/ شمس الكورد) التي كانت ذات اتجاه قومي وثقافي في آن واحد، حيث تناولت في أعدادها الصادرة طبيعة الحركة الكوردية ونضال الشعب الكوردي من أجل الحرية والاستقلال ضمن الدولة العثمانية، لاسيما بعد أن سمحت الحكومة العثمانية للقوميات غير التركية بالتعبير عن آرائها.

إلى جانب هاتين الجمعيتين، تأسست في الرابع من نوفمبر 1913م في كوردستان إيران وبالتحديد في مدينة خوي جمعية (جيهانداني/ العالمية) من قبل (عبد الرزاق بدرخان باشا) هدفها نشر الجانب التعليمي والثقافي بين سكان المدينة، ويبدو أن السبب في تشكيل الجمعية خارج الأراضي العثمانية هو أن عبد الرزاق بدرخان كان ملاحقاً من قبل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بتهمة العلاقة مع روسيا، وفيما بعد ألقت السلطات العثمانية القبض عليه سنة 1916م في مدينة رواندوز في كوردستان العراق وحكمت عليه بالإعدام بتهمة التخابر مع دولة أجنبية (روسيا القيصرية).

ومن الجدير بالذكر أن حزب خويبون (الاستقلال) يعتقد أنه أول حزب كوردي قومي ليبرالي تأسس عام 1927م في مدينة بحمدون اللبنانية، عبر توحيد أربع منظمات كوردية، بدعم أرمني وفرنسي، وكان من أبرز قادته الأمراء من أسرة بدرخان باشا (جلادت بن أمين عالي بن بدرخان باشا) وأخوه (كاميران بدرخان)، وبعض الشخصيات من أسرة جميل باشا وبعض رؤساء العشائر الكوردية المتنفذة في سوريا، وبهذا الصدد فإن زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (عبد الرحمن قاسملو- قتل عام 1989م على يد المخابرات الإيرانية في النمسا) هاجم هذا الحزب بقوله: «بالنظر لضيق مصالح قادة الحزب [خويبون] لم يناشد الحلفاء الحقيقيين [الاتحاد السوفيتي]، بل اعتمد على تأييد الدول الاستعمارية [فرنسا] التي كانت ترى المسألة الكوردية وسيلة للضغط السياسي على تركيا "

الجذور التاريخية للعلمانية في تركيا / الدكتور فرست مرعي

في الجانب الأخر من الحدود وحالة اللادولة .

أما في الجانب السوري من الحدود فكانت اللوحة أوضح بكثير من الحالة التركية , فسوريا كانت تعيش حالة اللادولة حتى عام 1936 م وحدود الدولة الناشئة كانت تتحرك على رمال الاتفاقات الدولية, وحتى الشمال والساحل السوري لم تكن في إطار حدود الجمهورية السورية, بحسب مراسلات الشريف حسين ومكماهون في الرسالة الجوابية  للسير مكماهون المؤرخة بتاريخ 24 اكتوبر 1915 يقول فيها : ( ..... إن ولايتي مرسين واسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال أنها عربية محضة وعليه يجب أن تستثنى من الحدود المطلوبة مع هذا التعديل وبدون تعرض للمعاهدات المعقودة بيننا وبين بعض رؤساء العرب نقبل تلك الحدود .....) ومن الواضح هنا حتى الطائفة العلوية والطوائف المسيحية لم تكن محسوبة على الوجود القومي العربي، ناهيك عن الوجود القومي الكوردي في شمال حلب ( عفرين وكوباني وريف إدلب وريف اللاذقية وجبل الكورد ) .

وكوردستان إسمًا وردت في وثيقة تحضيرات مؤتمر الحلفاء في يناير / كانون الثاني عام 1919 إذ يقول القرار: "… إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكوردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية".

وقرار الإنتداب الفرنسي لسوريا تم في اتخذ في اتفاق سان ريمو في نيسان 1919م, الذي أصبح قاعدة لمفوضات ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا.

وانطلاقاً من هذا القرار قدم الممثل الكوردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكوردستان إلى المؤتمر، إحداهما بتاريخ (21/3/1919م) والأخرى يوم (1/3/1920). كما طلب من القائمين على شؤون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كوردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكوردية، وإضافة إلى ذلك فقد جاء في المذكرة الأولى "إن تجزئة كوردستان لا يخدم السلم في الشرق…".

وعلى الرغم من توقيع اتفاقية أنقرة لرسم الحدود بين تركيا ومنطقة النفوذ الفرنسي  في 20 تشرين الأول عام 1921 إلا أن الحدود الفعلية بين تركيا وبين المناطق الكوردية في شمال سوريا الحالية بقيت دون تنفيذ، حيث البند الثالث من الاتفاقية اوصى بانسحاب الجيوش الفرنسية نحو الجنوب والجيوش التركية نحو الشمال ، والمادة 13 من الاتفاقية سمحت للسكان المحليين من الكورد بالتنقل بحرية بين جانبي الخط المرسوم، وذلك في إشارة واضحة على وحدة الجغرافيا البشرية للجانبين، واعتراف  صريح بتقسيم هذه الجغرافيا الخاصة بالشعب الكوردي، وعليه استغل الجانب التركي هذه المادة بشكل سلبي وتحايل على تنفيذها بما ينسجم مع توجهات دولة العسكر تجاه الكورد حيث اعتمد الحدود المتغيرة والمتحركة، لكن من خلال حدود منيعة متحركة لأهداف أمنية وعسكرية، وبقيت الحدود في حالة تغير دائم حتى خمسينات القرن الماضي، ومع كل تغيير حدودي من جانب دولة العسكر في تركيا كانت تتحرك معها الأسلاك الشائكة والألغام الأرضية التي حصدت آلاف الأرواح البشرية.

لذلك من المفيد التذكير بكيفية نشوء الدولة السورية ورسم حدودها السياسية والسيادية بشكلها الحالي .

سوريا الدولة كيف ومتى ...؟

وسوريا الحالية لم تكن في أي يوم دولة موحدة قبل هذا التاريخ، كما لم تكن لمعظم الكيانات السياسية العربية الحالية وجود سيادي طيلة فترة الدولة العثمانية 1517ـ 1918، بل كانت عبارة عن ولايات تابعة وخاضعة للباب العالي في الأستانة أو استانبول، والتقسيم الاداري العثماني الذي اعتمد عام 1904قسمت منطقة ما أسماها البعض بلاد الشام إلى ثلاثة ألوية :

  • ولاية الشام وكانت تضم دمشق وحماة وحوران والكرك في الاردن الحالية.
  • ولاية حلب وتضم حلب في سوريا الحالية واورفا في تركيا الحالية ومرعش في تركيا
  • ولاية بيروت وتضم  بيروت وعكا وطرابلس اللبنانية واللاذقية ونابلس.

والفرنسيون بعد الحقبة العثمانية بعد سايكس بيكو وتحديدا في عام 1920 قاموا بتقسيم سوريا  الحالية إلى ست دويلات : : دولة دمشق ، دولة حلب ، دولة العلويين ، دولة الاسكندرونة ، دولة لبنان، دولة جبل الدروز.

و بسبب عدم الاستقرار السائد في دول المنطقة ( دمشق، حلب، دولة العلويين، الاسكندرونة ) وبعد  سنة واحدة  من عمر هذه الدول في عام 1922أنشأ الفرنسيون الاتحاد السوري وفق فيدرالية شكلية أشبه بالنظام الكونفدرالي بين دول حلب ودمشق والعلويين، ومع استمرار حالة عدم الاستقرار وبعد ثلاث سنوات في عام 1924 تم توحيد دولتي دمشق وحلب في دولة واحدة مع إبقاء دولة العلويين كدولة مستقلة منفصلة عاصمتها اللاذقية، وانتهت الفيدرالية السورية مع انفصال دولة لبنان عام 1936، أي أن تاريخ الدولة السورية ككيان سياسي واحد بدأ من عام 1936 وفقط وفيما عدا ذلك  لا دولة اسمها سوريا ومثلها الكثير من الدول العربية الحالية مثل الاردن أو العراق أو الكويت أو الامارات العربية أو لبنان أو السعودية تفتقد إلى المشروعية التاريخية لجيوغرافيتها السياسية .

خويبون هي أول من تخطت الحدود .

بعيد انهيار ثورة الشيخ سعيد بعامين فقط ,انتقلت الحالة الوطنية الكوردستانية مع رموز والنخب السياسية والإجتماعية الهاربة من  الملاحقات التركية إلى الجانب السوري من الحدود, إذ حملوا القضية بأبعادها الإقليمية والدولية إلى خارج الحدود من خلال تأسيس جمعية خويبون السياسية والتي كان لها الفضل الأكبر في تنشيط الحالة السياسية الكوردية في الطرف السوري من الحدود, وبذلك تكون أولى التنظيمات التي تتخطى الأسلاك الشائكة لحدود الدول التي تقتسم كوردستان, وتمهد لتفعيل البعد الوطني الكوردستاني, وتجلى هذا التأثير في المطالب الكوردية من فرنسا عام 1930 إذ كانت أولى المطالب : إدارة خاصة بالأقاليم الكوردية المأهولة بالكورد, بحسب تعبير الوثيقة, هذا يعني أن القضية الكوردية ارتبطت مع الأرض من خلال نشاطات خويبون في الجزيرة, ومن ثم تفاعلت الحالة الكوردستانية بشكل أرقى  في جنوبي كوردستان حيث تدخل البارزاني الخالد مع قوات كبيرة إلى الجانب الشرقي الإيراني من الحدود للمساعدة في إنشاء أول كيان وطني متخطيًا الحدود الدولية,  وخويبون التي كانت تتحرك في الساحتين اللبنانية والسورية والجزيرة , خطوط بيروت دمشق قامشلو أسست لفكر تحرري كوردستاني في الجانب السوري مما شكلت من خلال هذا النشاط عاملا مهمًا في تأسيس الكثير من الجمعيات والتنظيمات الكوردية, ومنها تأسيس الديمقراطي الكوردستاني – سوريا بقيادة الدكتور نورالدين زازا رئيس أول تنظيم سياسي كوردي في الجزء الغربي من كوردستان.