حول اللقاء الذي (لن يحدث) بين علي مملوك وهاكان فيدان!
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
بكر صدقي 09/09/2021

حول اللقاء الذي (لن يحدث) بين علي مملوك وهاكان فيدان!

لا نعرف بالضبط من يقف وراء إطلاق هذا الخبر ـ القنبلة الإعلامية قبل أيام، ولكن يمكننا إطلاق بعض التكهنات حول الغاية منه أو نتائجه المحتملة.
في الرابع من شهر أيلول الجاري نشرت صحيفة «تركيا» الموالية للحكم خبراً بخصوص اللقاء المفترض، أسندته إلى مصادر مقربة من «شخصيات أمنية عراقية» من غير ذكر أسماء تلك المصادر ولا أسماء تلك الشخصيات الأمنية. هذا الإغفال بحد ذاته يدعو للتشكيك بالخبر جملة وتفصيلاً. لكن المضمون «المثير» للخبر تكفل بانتشاره في وسائل إعلام مختلفة، تركية وعراقية وسورية وغيرها. من المحتمل أن الغاية من إطلاق هذه الإشاعة هي اختبار ردود الفعل المحتملة و/أو تمهيد المناخ السياسي لاجتماع من هذا النوع.
الواقع أن حدوث لقاء بين القائدين الاستخباريين في تركيا والنظام السوري يمكن أن يحدث في أي وقت إذا رأيا أنه آن الأوان لفتح قنوات اتصال مباشرة لحل المشكلات العالقة بينهما. وقد التقى الرجلان فعلاً، في مطلع العام 2020 في موسكو بإشراف روسي. فلا شيء يمنع من تكرار اللقاء، وبخاصة في زمن يشهد لقاءات «مستحيلة» مماثلة بين تركيا وكل من مصر والإمارات العربية المتحدة، بعد قطيعة امتدت سنوات. ففي هذا الإطار شهد اليومان الماضيان 8-9 أيلول جولة ثانية من الاجتماعات بين المصريين والأتراك في أنقرة، بعد ثلاثة أشهر من جولة أولى جرت في القاهرة.
بخلاف الامتداد الزمني الطويل نسبياً لاجتماعات التطبيع مع المصريين، تسارعت خطوات التطبيع التركية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فشهد شهر آب الماضي لقاء عالي المستوى بين الرئيس التركي أردوغان وضيفه مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد آل نهيان، تلته اتصالات هاتفية بعد أسبوعين بين أردوغان ومحمد بن زايد، وبين وزيري خارجية البلدين.
يأتي تطبيع العلاقات هذا بين تركيا ودولتين عربيتين كانتا على خصومة شديدة معها طوال السنوات الثماني الماضية، أي منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر في 2013، في إطار محاولات تركية للخروج من عزلتها العربية. وفي الإطار نفسه هناك تكهنات بشأن مساهمة تركية إيجابية في تسوية الصراع في ليبيا خلال الفترة القريبة المقبلة.

ظاهرياً يختلف الأمر حين يتعلق بالعلاقة العدائية بين دمشق وأنقرة، ففي نظر نظام بشار تركيا هي في صدارة الدول المعادية، متقدمة في ذلك على الولايات المتحدة نفسها. وعلى رغم العدد المحدود من الاحتكاكات العسكرية المباشرة بين قوات الطرفين، تتقدم تركيا على إسرائيل التي تشن حرب صواريخ متواترة على الأراضي السورية منذ سنوات، في لائحة «أعداء النظام السوري» فهي دولة احتلال ومصدرة وداعمة للإرهاب والإرهابيين التكفيريين. لا تتوقف وسائل إعلام النظام عن تكرار هذه الاتهامات بشكل يومي بحيث أصبحت تركيا في الرأي العام الموالي هي الشر المطلق.
أما واقع الحال، فنظام الأسد براغماتي إلى أبعد الحدود مع الدول القادرة والفاعلة حين يتطلب الوضع التواصل معها، تفاوضاً أو تعاوناً أو ترتيبات أمنية، وعلى رغم بعض مشاغباته على داعمه الروسي فهو يمتثل عموماً لتعليمات الكرملين، وغير معترض على مسار آستانة الذي تشترك فيه تركيا إلى جانب إيران وروسيا. صحيح أن النظام كذّب خبر اللقاء المرتقب بين مملوك وفيدان بنبرته الصارخة المعهودة، لكن ذلك لن يغطي على حقيقة أن الرجلين قد التقيا فعلاً في موسكو قبل أقل من عامين، ولا شيء يمنع لقاءهما مرة أخرى إذا اقتضى الأمر.
الواقع أن جميع الدول الإقليمية تبحث وتتباحث حول تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما هي الفرص والمخاطر التي يقدمها هذا الواقع الجديد. وأول الجهات المعنية بهذا الانسحاب هي سوريا التي بات السؤال يطرح فيها عن احتمال انسحاب أمريكي مماثل منها. كل من النظام وتركيا لديهما دوافع قوية لملء الفراغ الذي سينجم عن انسحاب أمريكي محتمل، وشهية مفتوحة للانقضاض على لقمة سائغة هي «قوات سوريا الديمقراطية» وإدارتها الذاتية في شمال شرق البلاد. وتاريخياً كان هناك تنسيق أمني دائم بين تركيا والنظام بشأن المناطق الكوردية في الشمال، انقطع بعد انطلاق الثورة السورية في 2011، ولم يخف الجانب التركي ترحيبه بسيطرة النظام على مناطق معينة بدلاً من سيطرة الوحدات الكوردية المدعومة أمريكياً. هذا موضوع توافق بين تركيا والنظام يحتاج قنوات اتصال من نوع اجتماع بين قادة أجهزة الاستخبارات بينهما. لذلك كانت حبكة الخبر مقنعة ومثيرة.
يسمح لنا نشر الخبر أولاً في صحيفة تركية موالية للحكومة بالتكهن بأنه قد يكون نوعاً من جس النبض واختبار ردود الفعل المحتملة، لأن القيادة التركية تريد أن تكون جاهزة لما بعد أمريكا في سوريا، ولا بد من التنسيق، في هذا الوضع، مع نظام الأسد. بل إنه لا يمكن استبعاد تشجيع إماراتي لتركيا لبدء التطبيع مع نظام الأسد.
أما المصدر العراقي للخبر فهو يتسق مع الدور الدبلوماسي النشط الذي يسعى العراقيون إلى تصدير صورته. فالعراق هو الذي توسط بين السعودية وإيران، وهو الذي جمع 9 دول في مؤتمر التعاون في بغداد قبل أقل من أسبوعين.
وحده النظام السوري كذب الخبر، في حين لزمت تركيا الصمت، وكذلك العراق. ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي قد يمنح الخبر شيئاً من المصداقية.