ما بعد كابول 2021
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
بكر صدقي 27/08/2021

ما بعد كابول 2021

شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على أفغانستان، في العام 2001، تحت شعار الحرب على الإرهاب، وبدافع الانتقام من منظمي اعتداءات 11 أيلول على نيويورك وواشنطن، أي منظمة القاعدة وحاضنتها المحلية حركة طالبان. لكن إدارة الرئيس جورج بوش الابن التي كانت تحت تأثير تيار المحافظين الجدد، أعلنت أهدافاً تتجاوز مجرد الثأر أو الحرب على الإرهاب إلى «إعادة هندسة» واسعة النطاق تشمل مناطق تمتد من أفغانستان شرقاً إلى المغرب على شاطئ المحيط الأطلسي تحت عنوان «الشرق الأوسط الكبير» تقوم على توطين القيم والمؤسسات الغربية الحديثة، من ديمقراطية واقتصاد سوق وحريات فردية وغيرها. بصرف النظر عن الفشل الذريع الذي مني به هذا «البرنامج» الطموح، فهو يكذّب ما قاله جو بايدن بعد سقوط كابول، بلا قتال، في يد حركة طالبان، من أن «الولايات المتحدة لم تزعم أنها تريد إنشاء دولة – أمة في أفغانستان».
قبل عشرين عاماً ارتعدت فرائص الأنظمة الدكتاتورية والمحافظة في منطقة «الشرق الأوسط الكبير» لأنها لمست عزماً في برنامج «تصدير الديمقراطية وحقوق الإنسان» الأمريكي، فعملت على تمتين دفاعاتها وترتيب هجماتها المضادة بهدف إفشال المشروع الأمريكي لهندسة الشرق الأوسط الكبير. من ذلك، مثلاً، ترتيب أجهزة المخابرات السورية لرحلات الجهاديين عبر مطار دمشق، ثم براً، باتجاه العراق بعد سقوط بغداد في قبضة الأمريكيين في ربيع العام 2003، ليلتحقوا ببقايا جيش نظام صدام حسين والجهاديين القادمين من مختلف البلدان ليحاربوا القوات الأمريكية، ليس لكونها قوات احتلال، بل لأن من شأن نجاح المشروع الأمريكي في العراق أن يشكل سابقة تهز عروش الدكتاتوريات المحلية.
غير أن تسهيل مخابرات أنظمة دكتاتورية لمرور الجهاديين كان يتطلب أولاً وجود الجهاديين بمعزل عن تلك الأنظمة، وفي النهاية وجود بيئة اجتماعية – أيديولوجية تنتجهم. بيئات مهمشة في البلدان العربية والإسلامية، وتيارات أيديولوجية إسلامية وقومية ويسارية، وأنظمة «ممانعة» بأجهزتها الاستخبارية وإعلامها، مدعومة أيضاً من يسار عالمي معاد للامبريالية، شكلت معاً قوة المقاومة ضد المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير. وكان رأس حربتها «المقاومة العراقية» التي سرعان ما تحولت إلى منظمة القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أيمن الظواهري. وستتحول لاحقاً إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش).

بالمقابل تفاءلت تيارات ديمقراطية ليبرالية، ضعيفة التمثيل الاجتماعي والنفوذ الإيديولوجي، ببرنامج المحافظين الجدد الطموح وأعادت صياغة جدول أعمالها بناءً على ذلك.
لكن الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وفشلها في إقناع أنظمة المنطقة بإصلاحات ديمقراطية ليبرالية، وفشلها في تنفيذ برنامجها «لبناء أمة» في العراق وأفغانستان، وانقلاب النتائج في الواقع على الأهداف الأمريكية المرسومة، كتقوية النفوذ الإيراني في العراق وعبر الإقليم، سرعان ما دفعت «المؤسسة الأمريكية» بجناحيها الديمقراطي والجمهوري إلى مراجعة تلك السياسة، منذ النصف الثاني من الولاية الثانية لجورج بوش الابن. ليأتي الرئيس أوباما ثمرة تلك المراجعة والمعني ببرنامج الانسحاب من الشرق الأوسط، ليس عسكرياً وحسب بل أيضاً بمعنى التخلي عن «تصدير الثورة الديمقراطية» إلى الشرق الأوسط الكبير.
المشاهد الرهيبة التي نقلتها وسائل الإعلام من مطار كابول ستبقى في ذاكرة الناس عقوداً من السنوات، تماماً كمشاهد اصطدام الطائرتين المدنيتين ببرجي التجارة العالمية في نيويورك، وقبلها فرار الأمريكيين من سايغون في العام 1975. ثلاث رضات قوية لمكانة الدولة العظمى في وجدان الأمريكيين، تقابلها مشاعر الشماتة والفرح من المتضررين من سياساتها الدولية. تمكنت الولايات المتحدة من تجاوز أعراض هزيمتها في فيتنام خلال عقد من الزمان، وقد ساهم التورط السوفييتي في أفغانستان، وهزيمتها أمام المجاهدين المدعومين من واشنطن، ثم انهيار النظام الشيوعي، في ذلك التعافي. وجاءت هجمات 11 أيلول في ذروة الهيمنة الأمريكية الأحادية التي سادت منذ سقوط جدار برلين في 1989.
الهزيمة الأمريكية الصريحة اليوم في أفغانستان تتعدى حدود ذلك البلد المنكوب إلى تقهقر الهيمنة الأمريكية في النظام العالمي، في وقت يشهد صعود الصين وانتشار روسيا خارج مناطق نفوذها التقليدية في جوارها الإقليمي، إضافة إلى قوى إقليمية أخرى كالهند وإيران وتركيا. لكن جميع هذه القوى الصاعدة ما زالت أسيرة المفهوم التقليدي للتوسع الامبراطوري بواسطة القوة العسكرية فقط، وتفتقر إلى جاذبية النموذج أو الهيمنة الثقافية.
أما الولايات المتحدة التي ما زالت القوة الدولية الأولى عالمياً فهي تملك مقومات أخرى غير القوة العسكرية، في الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا. أما «قوتها الناعمة» المتمثلة في نموذجها الحضاري فهي في انحدار وفقاً لفرنسيس فوكوياما: فالعطب الأمريكي هو في الداخل، في الاستقطاب الحاد في المجتمع الأمريكي الذي بلغ ذروته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي لم يعترف بنتائجها نصف الأمريكيين. وقبل ذلك أثناء ولاية «الرئيس الكذاب» دونالد ترامب. العنصرية ضد الملونين تنذر بمخاطر شديدة، واهتراء البنية التحتية في كثير من الولايات تشكل فضيحة في البلد الذي يفخر بإنجازاته التكنولوجية وثرواته الطائلة.
تطويق الصين وروسيا والمشروع النووي الإيراني هي الأهداف المعلنة اليوم في السياسة الخارجية الأمريكية. أهداف طموحة، وإن كانت أقل طموحاً بكثير من مشروع المحافظين الجدد. سؤال ما بعد كابول هو إلى أي حد تستطيع إدارة بايدن أن تحقق أهدافها الجديدة هذه؟ وهل انتهت الحرب على الإرهاب بهزيمة أمريكية مدوية أمام طالبان؟