مصالحة في منبج
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
بكر صدقي 10/07/2021

مصالحة في منبج

«الإدارة المدنية الديمقراطية في منبج وريفها تعقد صلحاً مع أهالي الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها المدينة»
تحت هذا العنوان زفت صفحة «قوات سوريا الديمقراطية» على «فيسبوك» خبر المصالحة التي تمت مع أهالي ضحايا إطلاق النار على المتظاهرين السلميين احتجاجاً على قرار التجنيد الإجباري. وجاء في البيان الختامي الصادر في أعقاب اجتماع المصالحة أن الإدارة المدنية تلتزم بدفع 30 مليون ليرة سورية (ما يعادل 9500 دولار أمريكي) دية عن كل فقيد، و225 مليون ليرة إلى لجنة العشائر وأولياء الدم ليتم توزيعها على ذوي الضحايا كهدية من الإدارة. وتم الاتفاق على تشكيل لجنة طبية للوقوف على أوضاع الجرحى لتعويضهم وفقاً لكل حالة. بدايةً لا بد من التعبير عن الارتياح لحدوث المصالحة و«حقن الدماء» كما ورد في ختام البيان، فلا أحد يريد أن تستمر إراقة الدماء. ولكن إذا نظرنا إلى ما حدث من احتجاجات سلمية وإطلاق النار عليها، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، سنرى أن طرفاً واحداً هو الذي أطلق النار، والطرف الثاني تلقى الرصاص القاتل فقتل منه خمسة أشخاص وجرح عدد آخر لم يذكره البيان. الطرف الأول، القاتل، أي سلطة الأمر الواقع هي التي دفعت الدية و«الهدية» والتزمت بتعويض الجرحى مادياً. فلا محل هنا لعبارة «حقن الدماء» التي تستخدم عادةً حين يدور صراع مسلح بين طرفين مسلحين، فيكون حقن الدماء للطرفين، أي وقف الحرب بتسوية معينة.

ترى هل هدد أهالي الضحايا، أو العشائر التي ينتمون إليها، بشن حرب على سلطة «الإدارة المدنية» ثأراً لضحاياهم، فكانت المصالحة إجراءً استباقياً لتجنب حرب قادمة، وهو ما قد يفسر الكلام عن حقن الدماء؟ أم أن مطالبة الأمريكيين بفتح تحقيق في مقتل أمين عيسى في معتقلات الإدارة الذاتية الأسبوع الماضي في الحسكة، شكلت نوعاً من التحذير دفع بسلطة الأمر الواقع إلى المبادرة لإجراء المصالحة بهدف تهدئة غضب أهالي منبج؟ بصرف النظر عن الجواب الذي لا نملكه على هذه التساؤلات، يبقى أن سعي الجهة القاتلة إلى إرضاء الضحية أمر إيجابي… لولا أن بنود المصالحة لم تتضمن أي إشارة إلى محاسبة المسؤولين عن قتل وجرح عدد من المتظاهرين السلميين، سواء من أطلقوا النار أو من أعطى الأوامر أو منح الصلاحيات بذلك. فالمحاسبة القضائية وحدها قد تضمن عدم تكرار ما حدث في المستقبل. والحال أن البيان لم يكتف بعدم الإشارة إلى احتمال المحاسبة، بل كاد أن يبرر عمليات القتل حين تحدث عن «فتنة» أريد إشعالها! ترى ما هي هذه الفتنة، وما هدفها؟

يجيب على هذا السؤال محمود حبيب، الناطق الرسمي باسم لواء أحرار الشمال الديمقراطي التابع لقوات سوريا الديمقراطية، كما نقلت عنه صحيفة «العربي الجديد» الصادرة في لندن: «في خلفية المشهد، يجب أن نعلن أن توقيت الاحتجاجات ومكانها لم يكونا صدفة، لأنه في تلك الأثناء حاولت كل من تركيا وروسيا، بمشاركة النظام، التحضير لصفقة تبادل كانت منبج جزءًا منها، وأرادت تركيا ومرتزقتها تحضير الأجواء للسيطرة على المدينة مقابل تسليم جنوب طريق M4 لروسيا».

معنى الكلام أعلاه أن المتظاهرين لم يكونوا أبرياء، بل كانوا جزءًا من «مؤامرة دولية» لتحقيق سيطرة تركية على المدينة! ألم نسمع هذا الكلام بحرفيته من قبل؟ ألم يصف بشار الأسد، في أول خطاب له بعد اندلاع الثورة، المظاهرات الاحتجاجية لأهالي درعا بأنها «مؤامرة كونية»؟ لنسلم، جدلاً، بأن صفقة التبادل التي يتحدث عنها حبيب كانت قيد التخطيط فعلاً، فمن هي الجهة التي مهدت الأرض أمام الفتنة في منبج لتمريرها؟ هل هي المتظاهرون السلميون، أم قوات الإدارة المدنية التي أطلقت النار على المتظاهرين؟ فالاحتجاج السلمي لن يعطي مبرراً لتركيا باحتلال المدينة، في حين أن وقوع قتلى في المظاهرات قد يعطيها الحجة المطلوبة، وهي التي تكرر يومياً وصف قوات سوريا الديمقراطية والبنى المنبثقة منها بالإرهاب. على أي حال لم نسمع أي تصريحات لمسؤولين أتراك في استثمار مقتل المتظاهرين في منبج لتبرير عمل عسكري هناك بهدف احتلالها. فما هذه الصفقة والفتنة التي يقال إنها مهدت لإجرائها إذا كانت تركيا المعنية بهما غير مكترثة على الإطلاق؟

نعرف أن وضع منبج الإشكالي قد حسم أمريكياً قبل سنوات. فبمواجهة المطالبة التركية العلنية بالسيطرة عليها، عاندت واشنطن في إبقائها في يد حليفها الكوردي «قوات سوريا الديمقراطية» فكانت نهاية الحلم التركي بضمها إلى مناطق سيطرته. ترى هل لدى «قسد» معلومات سرية عن أن تركيا حاولت فرض أمر واقع بشأن منبج على الإدارة الأمريكية الجديدة؟ ما نعرفه هو أن القيادة التركية عانت الكثير مع إدارة بايدن خلال الأشهر الستة المنقضية منذ تسلم تلك الإدارة السلطة في واشنطن، فكانت حريصة على إرضائها سلفاً قبل أي تواصل رسمي معها. وبعد أول لقاء مباشر بين أردوغان وبايدن في بروكسل لم تظهر أي بوادر أمريكية لتقديم تنازلات لتركيا في أي موضوع. أي أننا، منذ بداية العام الحالي، أمام علاقة باردة بين واشنطن وأنقرة التي هي الطرف الذي يسعى إلى التقرب والتودد، ناهيكم عن أي محاولة لفرض أمر واقع على إدارة بايدن.

بخلاف تبريرات الناطق المذكور، ينضح بيان «الإدارة المدنية» بنكهة اعتذارية، واعتراف ضمني بالخطأ، مع العلم أن مجرد تقديم «الدية» عن الضحايا هو إقرار بالجريمة يسعى إلى العفو. وهو إقرار مؤسسي إذا جاز القول، بما أنه خلا من محاسبة الأفراد الذين أطلقوا النار على المتظاهرين. لكنه إقرار ضمني، وليس معلناً، وهذا ما لا يضمن عدم تكرار «الحدث المؤسف» كما جاء في البيان، إن لم يكن في منبج ذاتها ففي مناطق أخرى تحت سيطرة «قسد». على رغم جميع المآخذ المذكورة أعلاه على بيان المصالحة وحيثياتها، يبقى أننا أمام سلطة أمر واقع تراجعت أمام ضغط الأهالي، واعتذرت وأقرت بجريمتها ضمناً، في حين أن سلطات الأمر الواقع في المناطق الأخرى، مناطق الأسد والميليشيات التابعة لتركيا ومناطق هيئة تحرير الشام، لا تعتبر انتهاكاتها أخطاء تستوجب الاعتذار أو جرائم تقتضي العقاب.