جثث فوق الأرض… جثث تحت الأرض
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لایف ستایل ثقافة و فنون
x
بكر صدقي 03/06/2021

جثث فوق الأرض… جثث تحت الأرض

عُثر على مقبرة جماعية في كندا تحتوي على رفات 215 طفلا، في مدرسة داخلية أقامها المستعمرون البريطانيون لجمع السكان الأصليين من الهنود وتغيير هويتهم.
وكان أطفال السكان الأصليين يدرسون في مدرسة كاملوبس إنديان ريزيدنشيال، وهي مدرسة داخلية في مقاطعة كولومبيا البريطانية، وتم إغلاقها نهائيا عام 1978.
وأعلنت روزان كازيمير، رئيسة مجموعة الأمة الأولى «تيكاملوبس شوسواب» عن اكتشاف المقبرة الجماعية يوم الخميس. وتمثل «مجموعة الأمة الأولى» إحدى أكبر المجموعات العرقية المتبقية من أمة شوسواب الهندية القديمة، التي كانت تستوطن كولومبيا البريطانية قبل استعمارها.
وعلق رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو على الخبر قائلاً: «شعرت بأسف عميق حين سمعت بالأخبار التي تتحدث عن اكتشاف جثث أطفال تحت أرض مدرسة كامبلوبس الداخلية، وذكرني ذلك بصفحة مظلمة ومخجلة من تاريخنا». قوبل تصريح ترودو باستهجان من قبل بقايا الجماعة المحلية (يشكلون اليوم أقل من 5٪ من السكان) وكذلك من أصحاب الضمائر من السكان البيض، بدعوى أن الموضوع لا يتعلق بـ«صفحة سوداء من تاريخ كندا» بل بما هو قائم إلى الآن، على الأقل بآثاره. فنظام المدارس الداخلية للأطفال الهنود الذي أرسي أساسه في العام 1830 لم يلغ إلا في العام 1996، وتبلغ أعمار آخر دفعة من متخرجيها نحو 46 عاماً، يعانون إلى اليوم من حالات «تروما» متنوعة. كانت الغاية من هذا النظام هي «قتل الهوية الأصلية داخل الطفل» ونشأ في ظله أكثر من 150 ألف شخص بين العامين 1830 و1996.
انتزع أولئك الأطفال من أسرهم ومجتمعهم تحت تهديدات متنوعة من الدولة والكنيسة، وقطعت علاقتهم تماماً ببيئتهم الأصلية، ففقدوا لغتهم ومعتقداتهم الدينية، والأهم من ذلك: الجو الأسري الدافئ في حضن أب وأم. ربما يبدو من الابتذال تشبيه هذا الوضع بانتزاع نبتة من تربتها الأصلية وإعادة زراعتها في تربة غير ملائمة. لكن هذا بالضبط ما حدث لأولئك الأطفال ولأهلهم التعساء الذين أرغموا على التخلي عن أطفالهم. فلم تقدم لهم المدرسة الداخلية بديلاً معقولاً عن جو الأسرة، بل عاشوا في بيئة قاسية خالية من التعاطف والحنان، مات كثيرون منهم بسبب نقص الغذاء، ولنا أن نتخيل الشروط الأخرى لحياتهم هناك. هناك شهادات لبعض من «الناجين» من تلك المدارس الداخلية، في تقرير يحمل عنوان «The Survivors Speak» أصدرته «لجنة الحقيقة والمصالحة في كندا» عام 2015، لنقرأ: «أعداد كبيرة من أطفال السكان الأصليين الذين تم إرسالهم إلى مدارس داخلية لم يعودوا أبدًا إلى مجتمعاتهم الأصلية. هرب بعض هؤلاء الأطفال، بينما مات آخرون في المدارس. قد لا يُعرف أبدًا العدد الدقيق للأطفال الذين ماتوا في المدرسة، لكن معدلات الوفيات في العديد من المدارس، خاصة في أوقات الوباء أو المرض، كانت مرتفعة جدًا.

«في بعض الأحيان، لم يكتشف الآباء أبدًا ما حدث لأطفالهم. أصبح الطلاب الذين لم يعودوا يعرفون باسم الأطفال المفقودين. من خلال العمل مع الناجين ومنظمات السكان الأصليين، توثق مشاريع الأطفال المفقودين حالات وفاة ودفن الأطفال الذين ماتوا أثناء ارتيادهم المدارس.
«حددت لجنة الحقيقة والمصالحة، إلى الآن أسماء أو معلومات عن أكثر من 4100 طفل ماتوا بسبب مرض أو حادث أثناء التحاقهم بمدرسة داخلية»
لم يكتف نظام الصهر الثقافي هذا بقتل الهوية الأصلية لأولئك الأطفال، بل قام بقتل قسم كبير منهم بالمعنى الفيزيائي أيضاً، وهم من يصنفون اليوم تحت فئة «الأطفال المفقودين». أما من نجا منهم وتمكن من العودة إلى مجتمعه الأصلي، فقد انتحر كثيرون منهم أو أدمنوا المخدرات، وفقاً للتقرير المشار إليه. فقد خسروا بيئتهم الأصلية ولم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع «المضيف». خسروا لغتهم الأصلية فلم يعودوا قادرين على التفاهم مع أهلهم، ولا ساعدتهم المدرسة على اكتساب مواقع اجتماعية مناسبة، فكانوا كالأحياء الأموات.
كثيراً ما أثارت فضولي أفلام الزومبي أو «الأحياء الأموات» (the walking dead) على رغم نفوري الشديد منها. وقد تركز هذا الفضول على السؤال عما يجعل هذا النوع الفرعي من أفلام الرعب يتمتع بشعبية كبيرة جعلت المنتجين ينتجون المزيد والمزيد منها باستمرار. نشاهد في تلك الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، دائماً، جموعاً كبيرة من الجثث المتحركة تهاجم الأحياء أينما صادفتهم، فهي تقتات عليهم، أو تنقل عدوى الموت إليهم ليتحولوا بدورهم إلى «أموات أحياء» ينضمون إلى الجموع الهائجة.
قد يمكن فهم أفلام الرعب القائمة على تصوير سفاح يقتل الناس، وغالباً النساء الشابات، بلا أي مبرر غير نزعات مرضية متأصلة فيه. بل هناك نماذج فنية رفيعة لتلك الأفلام التي يسيل فيها الدم بكثرة، احتلت مكانتها المرموقة في تاريخ السينما، لعل أبرز مثال عليها فيلم هيتشكوك الشهير «psycho» أو بعض أفلام الإيطالي داريو أرجنتو. أما أفلام الزومبي التي تصور تلك المخلوقات البشعة فلا شيء يفسر إقبال الجمهور عليها. الثيمة الأساسية في هذه الأفلام هي صراع الأحياء ضد الأموات من أجل البقاء على قيد الحياة، وفي ذلك تمجيد قيمة الحياة في مواجهة الموت.
سأقترح هنا تفسيراً آخر لجاذبية أفلام الزومبي لدى جمهور مشاهديها، لست على ما يكفي من الإطلاع لأزعم أنه تفسير غير مسبوق. فقد خطر لي وأنا أقرأ خبر اكتشاف جثث أولئك الأطفال تحت أرض مدرسة داخلية في كندا، أنهم «أموات أحياء» أقلقوا راحة الأحياء، فشعر رئيس الوزراء ترودو بـ«الأسف»! يمكن قراءة هذا التصريح بتأويل مختلف هو أنه متأسف لاكتشاف تلك الجثث، أكثر من كونه متأسفاً لموتهم أو ربما مقتلهم. أي أن الأموات الذين دفناهم تحت التراب، لا يكفون عن الخروج وإقلاق راحتنا نحن الأحياء، بعدما نسيناهم أو تناسيناهم طويلاً.
إذا كانت تلك الصفحة السوداء من تاريخ كندا، على حد تعبير ترودو، تعود إلى زمن قريب، فإن صفحات سوداء، في أماكن كثيرة من العالم، ما زالت قيد «الإنجاز» كحال بلدي سوريا على سبيل المثال. شعار «never again» الذي طرح بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مرشح ليطرح المرة بعد المرة، من غير أن يتحقق.