قضايا قومية أم سرقة عقارات؟
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

قضايا قومية أم سرقة عقارات؟

نشر معهد "نيولاينز" الأميركي دراسة قيّمة ومفصّلة حول عملية التغيير الديموغرافي التي تقوم بها ميليشيا "الحشد الشعبي" العراقية، الموالية لايران، في محافظة نينوى، حيث تقوم الميليشيا ذات الغالبية الشيعية بالاستيلاء على منازل وأراض وعقارات تعود ملكيتها لعراقيين سنة أو مسيحيين، أو حتى للوقف السني.

وتقوم الميلشيات بتزوير السندات وبيع العقارات لأصحابها بمبالغ أعلى بكثير من سعرها، أو باستثمار العقارات بطرق مختلفة للافادة منها. وفي المرات التي حاولت فيها مجالس البلديات التصدي لعملية التزوير هذه، قامت الميليشيا الشيعية بتهديد أعضاء المجالس بالخطف والقتل. 

والتغيير الديموغرافي ليس جديدا على "محور المقاومة". في بغداد، قبل قيام "الحشد الشعبي"، كانت فصائل مثل "عصائب أهل الحق" تقوم بالاستيلاء على عقارات عراقيين سنة، وتتهمهم زورا بأنهم من "أذناب النظام البائد"، وتقوم بتزوير سندات عقاراتهم والاستيلاء عليها.  

وفي سوريا، أصدر نظام الأسد قبل عامين القانون رقم 10، الذي يمهل أي سوري غائب مهلة 30 يوما للحضور وتثبيت ملكيته للعقار، وان تخلف عن ذلك، تتم مصادرة العقار ضمن عملية ”اعادة الاعمار“، التي تتضمن استبدال السوريين المعارضين بمؤيدي الأسد، سوريين أم لبنانيين أم عراقيين أم ايرانيين أم أفغان. وقبل الحرب السورية، دأب نظام الأسد على "تعريب" المناطق الكوردية السورية، ومصادرة أملاك سكانها، وطردهم، وتعريب أسماء بلداتهم وقراهم، وحرمانهم من تعليم أبنائهم اللغة الكوردية، لأن الدولة اسمها "الجمهورية العربية السورية"، وهي بعروبتها لا تتسع لغير البعثيين من أزلام الأسد، عربا كانوا أم غير ذلك. 

في زمن الحرب الأهلية في لبنان، انتشرت ظاهرة "احتلال“ المنازل، وأطلق المحتلون على أنفسهم اسم ”مهجرين“، أي لاجئين من مناطق صراع. لكن هؤلاء اللاجئين لم يخلوا المنازل التي استولوا عليها بعد انتهاء الصراع في المناطق التي ينحدرون منها، ولا حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، هو ما أجبر دولة لبنان على إنشاء "صندوق المهجرين" لتسديد بدلات مالية للمحتلين واعادة الأملاك لأصحابها.  

وكانت مجموعة سكانية لبنانية استولت على بيوت اليهود اللبنانيين المهجورة في بيروت في الحي المعروف بـ "وادي أبو جميل". وعندما بادرت الدولة لتسديد بدلات للمحتلين لاخلاء بيوت الوادي، دار التلاعب، وراح سكان كل شقة يعدلون في بنائها ويحولوها إلى شقتين أو أكثر، وهو ما يعني مضاعفة التعويض الحكومي لهم. وقتذاك، وبسبب كمية الفساد والأموال التي أنفقتها الدولة، أطلق اللبنانيون تندرا اسم "وادي الذهب" على الحي الذي كانت تسكنه يوما غالبية يهودية. 

حتى اليوم،  لا يزال في لبنان من يحتلّون عقارات ، ويستقوون بالميليشيات ، ويعطلون الدعاوى القضائية التي يرفعها المالكون، ويستبيحون الملكية العقارية رغما عن ارادة المالك. وعلى إثر الدمار الذي لحق بضاحية بيروت الجنوبية، بعد حرب "حزب الله" مع اسرائيل في 2006، ظهر المالكون الأصليون للضاحية، التي يسكنها غالبية شيعية مؤيدة للحزب. غالبية المالكين الأصليين هم من المسيحيين ممن بنى في عقاراتهم لبنانيون شيعة بيوت وبنايات.  

بعدما انهارت البنايات، وجد المالكون فرصة سانحة لاستعادة عقاراتهم. لكن قوة "حزب الله" العسكرية منعت ذلك، وقامت جمعية "جهاد البناء" التابعة لـ "حزب الله" بإعادة بناء شقق سكنية على أملاك المسيحيين، وتعاقدت مع شركات هندسية مسيحية ، يعتقد البعض أن منها يملكها جبران باسيل ، وزير الخارجية السابق وصهر رئيس لبنان ميشال عون ، وهذه إحدى الاتهامات التي استندت إليها الإدارة الأميركية في تصنيفها باسيل على لائحة ماغنيتسكي للمسؤولين الفاسدين الذي يثرون على حساب حقوق الانسان، أو عبر التحالف مع تنظيمات تصنفها واشنطن ارهابية مثل "حزب الله".  

وإن صحت تقارير مشاركة باسيل في إعادة بناء الضاحية الجنوبية، يكون قد ساهم في تثبيت استيلاء شيعة حزب الله، الموالين لايران، على أملاك مسيحيي لبنان . أما المفارقة ، فتكمن في أن رئيس لبنان نفسه ، المسيحي الماروني عون ، ينحدر من حارة حريك في الضاحية ، وهي الحي المسيحي اللبناني الذي صار شيعيا ايرانيا بقوة السلاح، وصار مقرّ الأمانة العامة لـ ”حزب الله“. 

وعلى الجهة الجنوبية البحرية من بيروت، قامت يوما منتجعات سياحية فاخرة في منطقة سان سيمون، نسبة الى الخليج الذي يحمل اسم القديس سمعان العمودي، وأغلب الظن أن كان له مقاما دينيا تحول فيما بعد الى موقع اسلامي سني منسوب الى الامام عبدالرحمن الأوزاعي. ثم استولى ميليشياويون لبنانيون على المنتجعات في زمن الحرب الأهلية، وتحولت السان سيمون الفاخرة الى منطقة الأوزاعي الشعبية، ولم تعد الأملاك الى أصحابها حتى اليوم.   

هكذا هي سندات وصكوك الملكية العقارية في لبنان وسوريا والعراق: لا قيمة فعلية لها، بل أن الملكية هي بأيدي الأقوى، الميليشياوي صاحب السلاح غير الشرعي والخارج عن سلطة الدولة.  

وفي إيران المشكلة نفسها: قام نظام الجمهورية المسماة اسلامية بالاستيلاء على عقارات عرب ايران، وغالبيتهم من السنة، ومنح العقارات لمؤيدي النظام، وهم من الشيعة. ثم كلّما حاول عرب إيران بناء منزل أو مقر سكن، تقوم السلطات الإيرانية بهدمه بحجة أن التخطيط المدني لم يوافق على منح رخصة في منطقة يصنفها زراعية.

كما يحظر نظام إيران على العرب الإيرانيين تسمية أبنائهم بأسماء عربية، ويمنعهم من تعليم العربية في مدارسهم خارج حصص تعليم الدين، ويقوم بتغيير أسماء بلداتهم من عربية إلى فارسية. 

ثم يقولون لك إن نظام ايران، ومعه "محور المقاومة"، حامي حمى العرب والمسلمين، فيما الواقع أنه تحالف عصابات تتنوع وسائل دخلها بين الابتزاز، والاستيلاء على عقارات الغير، والتغيير الديموغرافي لمكافأة الأزلام ومعاقبة المعارضين، والاتجار بالمخدرات، وتبييض الأموال. ثم يقولون لك إن كل هذا هو لتحرير فلسطين، فيما الواقع أن لا قضية ولا قومية في أي من هذه الممارسات، بل بلطجة وسلبطة لا غير. 

و"السلبطة" كلمة عامية لدى عرب المشرق تعني استخدام النفوذ والعنف لأهداف الابتزاز والسلب، وهي كلمة تصف دستور المشرق والعراق منذ القدم، وهو ما دفع سكان هذه البلدان إلى الانتظام في قبائل وعشائر، بدلا من أفراد مواطنين في دول، إذ يمكن للعشيرة وحلفائها منع سلبطة الآخرين على أفرادها، وذلك عن طريق "الردع المتبادل"، وهو ما جعل الدول وسنداتها بدون قيمة أمام قوة الشارع والميليشيا. هذه هي أزمة لبنان وسوريا والعراق واليمن وايران، وهذه الأزمة التي لا يبدو، للأسف، أن لدى أي منا حلول لها.