الهجرة الملیونية جرح عمیق لم يندمل
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

الهجرة الملیونية جرح عمیق لم يندمل

بعد ان تنازل  الدكتاتور صدام حسین عن میاه شط العرب وجزر طنب الصغری وطنب الكبری ومناطق سیف سعد و زین القوس وتنازل عن دعم جبهة تحرير الاحواز وطرد المرجع الشيعي الاعلى الامام الخميني من العراق  كل هذا  لٲجل التحضير لاتفاقیة الجزائر الخیانية في 6/3/1975 تلك الاتفاقية التي لم تدم طویلا، حتی اندلعت الحرب مع الجارة ايران تحت اسم ( قادسية صدام) والتي كلفت خسائر مادیة ثقیلة طیلة ثمانية اعوام، ونتیجة الوضع العراقي السيئ طلب صدام المساعدة الاقتصادية من دول الخلیج ،فرفضت الكویت رفضا قاطعا حينها قرر صدام احتلال الكویت عسكریا وضمها كمحافظة للعراق قسرا، واصر علی ذلك بالرغم من التدخل الدولي واندلعت الحرب وسميت بحرب الخلیج الاولى، دمر بها الجيش العراقي وعلی اثر الهزیمة العسكریة انتفضت شیعة العراق في الجنوب نتیجة ماساتهم من السیاسات النظام الحاكم الظالمة ضد الشیعة و الكورد ، وبعد تحریر اكثر المدن الشیعیة اندلعت في كوردستان ایضا انتفاضة نابعة من اعماق القلب الكوردي الجریح والتي عدت لدى الراي العالمي بٲنها اكبر واهم صفحة تراجیدية من صفحات النضال المٲساوي للشعب الكوردستاني انها مسيرة الوحدة الكبری ، انها هجرة مئات الآلاف من الكوردستانیین قاربت المليونين من مختلف المكونات.

في نهایة آذار 1991 بدٲ النزوح الجماعي للعوائل الكوردستانية بٲتجاه الحدود العراقية التركية الايرانية والسورية ، نحو المستقبل الغامض و الموت  المحقق والمجهول ، تاركين ارضهم ومساكنهم وما تملكونهم ، هائمة على وجههم مشیا على الاقدام ، قاطعين مئات الكيلومترات في المرتفعات الجبلية الوعرة المرهقة ، يعانون من البرد القارس تحت رحمة المطر والثلج والجوع والخوف من الموت الذي يلاحقهم والمصير الغامض ، هاربة من بطش الدكتاتور الطاغي و حاشیته و ربعه وزبانيته المسعورين ورفاقهم ، فلهم معهم الكثیر من التجارب والمآساة المخیفة و المروِّعة ، وكنت انا (كاتب المقال) وعائلتي مشاركا في انتفاضة باعدری وشیخان وكذلك شاركت مع عائلتي في الهجرة الملیونیة من باعدری مسقط راسي الی ( دشتانی ) في تركیا استغرقت خمسة ایام مشیا علی الاقدام تحت المطر والثلج والبرد و مع الجوع.

فها هي مدرسة قلعة دزة الشهيدة بالنابالم انفالاتهم السیئة الصیت وفرماناتهم القبيحة لم تلتئم جروحها بعد ، وها هي حلبجة الشهیدة بالكيمیاوي مازالت رائحة سمهم تخنق انفاسها ، حتی هتلر وستالین و جنكيزخان وهولاكو لم يفعلا ما فعل الدكتاتور والجلاد صدام وابنائه وابن عمه علي الكیمیاوي ، فالوحوش الجائعة عادت وكشرت عن انيابها وبیدهم السیوف الغادرة مرة اخرى ، توعدت وتحركت ... لتخمد انتفاضة شعب اراد ان يتنفس بملء صدره هواء الحرية بعد ان خنقه المتسلطون منذ اذار ۱۹۷٥، اراد ان يتذوق طعم الدیمقراطية والحرية كبقية شعوب الارض بعد ان استعبده الٲخرون واهانوا كرامته وانكروا عليه هويته ووجوده وفرضوا بالحدید والنار سیاسة التبعیث والترحیل والتعریب.

ابدا لم تكن هذه الهجرة الممتلئة بالمغامرات  هربا من الموت و طلبا للنجاة والحياة بقدر ما كانت هروبا من حياة الذل التي كانوا سيعيشونها بعد الانتفاضة المباركة تحت ظلم الطاغية وانتقامه، لينتقلوا الى الحياة بحرية وان كانت بالتشرد في ارض الله الواسعة.

فبعد ان انتفض الشعب الكوردستاني في 5\3\1991 وامتدت الانتفاضة في الايام التي تلتها لتشمل جميع المدن( سلیمانیة واربیل ودهوك و كركوك) وکل القصبات والقرى، وبعد فشل صدام باحتلال الكويت وهزيمته منها وبعد انتفاضة الشیعة في الجنوب والشمال (کوردستان)، كانت الانتفاضة اشبه بكسر اسوار  السجن الكبير والخروج منه بعد ترنح  جمیع السجّان وضعفهم واستسلامهم لٱمر ٲلشعب ،والتي القت بفرحة عارمة غمرت الناس ، انها السعادة التي يشعر بها الانسان عندما يرى سقوط الظالم وفرصة الانعتاق من عبوديته المقيتة.فمن طيبتهم وسعادتهم تلك ، لم يفكروا حتى بالانتقام ، فالقطعات العسكرية الاسيرة بالالاف التي كانت موجودة هناك بعد ان تفرقوا وهربوا لم تجد مفرا غير هؤلاء الناس الطیبین لهم ملجأ ومأوى ، وفي نفس الوقت في بعض المدن التي بقيت تحت سيطرة قيادة النظام ، استطاع عدد من النشطاء الكورد الخروج سرا منها والالتحاق بالانتفاضة المباركة والمشاركة الفعاله فيها ، وعلی اثر ذلك قام النظام  العفلقي الدكتاتوري بٲعتقال اعداد كبيرة من الرجال والشباب والنسوان والاطفال الكورد من سكنة هذه المدينة وحجزهم في معسكرات وقواطع الجيش اللٱشعبي في الشرقاط والحضر و حمام العليل والسلامية  والقيام بتبليغ المواطنين الكورد بواسطة اجهزهة الامن والاستخبارات والمخابرات وحتی استخدموا مكبرات الصوت لسيارات الشرطة والرفاق البعثیین ، طالبين منهم بالخروج الفوري من المدينة وخلال ( 24 ساعة ) وبعكس ذلك سيكون مصيرهم الموت المحقق عن طریق الاعدام الفوري ، ولم يستثن من هذا الامر احد ،حتى عوائل الاسرى والمفقودين والشهداء الكورد الذين زج بهم صدام في حربه الغیر العادلة مع الجارة ايران وكذلك حتی عوائل الجحوش والرفاق ، خرج اغلبهم وهربوا الى المدن الكوردية الاخرى لينضموا بعدها الى الهجرة الجماعية في الرحلة الشاقة.

 الخوف والقلق  والاظطراب النفسي يصيب الانسان حين يعيش في هذه التراجیديا ، لايمكن تصور  رعبها وهولها على النفس البشرية الا من عاشها مباشرة ووقع تحت كابوسها ورأى مأساتها بعینه وعانى من بؤسها .

لم تدم فرحة  النصرة بعد الانتفاضة طويلا، لٲن الجلاد الدكتاتور هو رأس الافعى(صدام وزمرته) مازالوا سالمين ، ومازالت بعض قواته من   جیش القدس والحرس الجمهوري والخاص بكامل عدتهم وعددهم تحت امرة الظالم ورهن اشارته ، ورأى الناس ماذا فعل المجرم وبقايا قواته بانتفاضة اهل الجنوب ! وخاصة في النجف والكربلاء فكيف سيكون انتقامهم من الكوردستانیین الذین خرجوا عن بكرة ابيهم بعد ان تقدمت قوات الدكتاتور عسكريا وبدأت بقصف المدن الرئيسية وما حولها  الطائرات السمتية و بالصواریخ وبالمدفعية بعيدة المدى ، واستغلوا تصریح ( نورمانشسكوف) قائد التحالف الدولي حول السماح للنظام باستخدام الطائرات الحربیة، ولم يبق في بیوتهم الٱ كبار السن والعجزة والیتامی حیث فوض امرهم الى خودێ تعالى وبقوا في دورهم بنٲتظار عبدة سلطان الموت بین الهم والخوف ...

رجال ونساء اطفال وشيوخ بمئات الآلاف تركوا مساكنهم في مدنهم وقراهم، وما اصعب على الانسان حين يترك داره مرغما ومعه عائلته واقربائه وجیرانه الاعزاء لا يحملون معهم غير اشياء ضرورية بسيطة وقد يتركونها في منتصف الطريق بعد ان ينال منهم الجوع والارهاق والخوف، وحتى الذين هربوا بعجلاتهم  تركوها في الطريق اما لنفاذ الوقود او لوعورة الطرق والازدحام  الكثيف والكبير، فكان كيوم القيامة و الحشر حين يسير موجات الشعب كلافواج بحیث لا ترى لها بداية و ولانهاية ،  هذا قدر شعب مسكين مسالم كتب عليه العذاب والقهر وردَّ على وفائه وخلاصه وامانته بالخيانة والغدر .

ومن هنا علينا ان لا ننسی ماقامت به قوات من البيشمركة الابطال التي تجمعت خلال ايام الانتفاضة بالمجابهة والتصدي لقوات صدام في عدة محاور وتمكنوا من عرقلة تقدمها نحو الجموع البشرية النازحة عبر الجبال وخیر مثال معركة (كوری)  الشهيرة بالقرب من شقلاوه بقیادة كاك مسعود بارزني ومعركة سرسنك بقیادة ابطال الپێشمەرگە الذين كانوا ضمن الحزب الدیمقراطي الكوردستاني واماكن اخری متفرقة مثل گەلی زاخو ، ونتجت عن هذه المعارك وهذه الهجرة الجماعية الی اغرام نظام صدام الی طلب المفاوضات مع القیادة الكوردستانية.

شهران من الزمن قضاها الشعب الكوردستاني منذ بداية هجرته تلك والى عودته ، قضاها بالسير في الطرق الجبلية بین الالغالم والشوك وفي العراء يفترشون الارض والصخور بين البرد وقلة الطعام والمرض،،،، ومحظوظ من تمكن من جلب بعض  النالیون والبلاستیك للتغطية من المطر المستمر واللوازم والطعام معه .

بعد وصولهم الى داخل الحدود الايرانية والتركية والسوریة ، حيث كان الناس قد اتجهوا في ثلاث اتجاهات ، مجموعة توجهت الى حدود ايران ، ومجموعة توجهت الى حدود تركيا، ومجموعة اخری اتجهت نحو حدود سوریا،وقد قدمت لهم بعض الدول والمنظمات الانسانية مساعدات من اغذية وخيام وعلاج طبي عن طریق الطائرات من السماء.

لقد ماتوا الكثيرون من هؤلاء الناس وفقدوا الحياة نتيجة الظروف القاسية التي مرّوا بها ، فاختلطت دمهم بدم شهداء حركة التحرر الكوردستانية الذين استشهدوا دفاعا عن كوردستانهم وكرامتهم ، فرَوت هذه الدماء الزكية ارض كوردستان الطاهرة ، قائلين للمتسلط الظالم  المحتل... لن ندعك تسلبنا كرامتنا و حريتنا بعد الآن مهما كلف الثمن.

وهنا حقیقة یجب ان لا ننساها ماقام به ابناء الكورد في الاجزاء الاخری من كوردستان وفي المهجر ایضا خاصة في اوربا حتی وصل الحد الی التبرع بلوازمهم الشخصیة .

وفي منتصف شهر مايس سنة۱۹۹۱ وتحت ضغط الرٲي العام العالمي صدر قرار من مجلس الامن الدولي المرقم ( 688 ) بأنشاء منطقة  ملاذ آمنة للكورد في كوردستان العراق شمال خط العرض ( 36 ) ، طردت منه قوات الجيش العراقي وعناصر الامن، وشكلوا قوة عسكرية عالمية في منطقة السلوبي في ترکیا باسم المطرقة المرفوعة للدفاع عن كوردستان.

هكذا بدأت  الملايين المباشرة برحلة العودة الى مساكنهم وممتلكاتهم والتي اغلبها كانت قد سرقت ونهبت وحرقت كعملية الفرهود.

فتحية اجلال واكبار لذكری انتفاضة شعب كوردستان والهجرة الملیونیة .

یا ايها الشعب المناضل و الابي الطيب نود ان نذكر ونقول تكرارا ومرارا بالصوت العالي:

كل ما ننعم به الان من برلمان وحكومة والمؤسسات وهذا  الذوق والطعم بالحرية انما هو ثمرة تلك اليقظة في الانتفاضة وتلك الهجرة  الكبری وتلك التضحيات التي قدمت الی یومنا هذا .

الشكر والامتنان و تحية حب وتقدير لكل مخلص وامين  مقتدر شارك ويشارك في المسيرة المباركة لٲیصالها  الی الاستقلال حیث في بر الٲمان  ، وسيدوم نضال الشعب والثورة ضد كل من يحتل و ينكر ويسرق  حقوق شعب كوردستان حتى نناله واِن كانت المخاطر والشوك يملأ طريقنا ویكلف  ارواحنا وهذا هو التطبیق العملي لشعار : يان كوردستان یان نەمان اي كوردستان او الفناء.