ثورة الحادي والعشرين
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

ثورة الحادي والعشرين

اندلعت قبل اكثر من قرن من الآن انتفاضة جماهيرية كبيرة اجتاحت جنوبي العراق ذو الاغلبية الشيعية عرفت تاليا بثورة العشرين. هذه الثورة جاءت ضد المحتل البريطاني وسياسته التي لم تستجب للشعور الجمعي للشيعة بالمظلومية الموروثة منذ العهد العثماني.

السلطات العراقية قبل عام 2003 تعاملت بمنطق العصى الغليظة مع المكون الشيعي ومارست صنوف شتى من الاضطهاد ضدهم، عبر الشيعة عن موقفهم تجاه هذه السلطات من خلال الانخراط في نشاطات معارضة وبطرق واساليب شتى، لعل ابرزها الانتفاضة الشعبانية التي انطلقت مع انسحاب الجيش العراقي من الكويت مطلع عام 1991 وطرقت هذه الانتفاضة ابواب بغداد بعد ان خرجت جميع مناطق جنوبي العاصمة من سيطرة الحكومة العراقية.

وبعد تسلم الاحزاب الشيعية للسلطة في بغداد اثر الزلزال الذي اقتلع السلطات الدكتاتورية عام 2003، استبشر العراقيون خيرا من خلال التطلع الى عهد جديد ترسم ملامحه من خلال الطروحات التي بشرت بها سلطات الاحتلال الامريكية، وفرحة الشيعة كانت الاكثر اشراقا خصوصا وانهم استشرفوا عهدا جديدا بعد قرون من الاحساس بمرارة التهميش.

السؤال هنا، ترى هل نجحت القوى والاحزاب والتيارات الشيعية وقادتها في التصدي لمهمة بناء عهد جديد يكون افضل للشيعة وللعراقيين من دون استثناء؟ خصوصا وان الغطاء الذي تأسست تحت يافطته حكومة العهد الجديد هو الديمقراطية والحرّية، بما ينتظر ان تثمر هكذا حكومة تنشأ على المبادئ التقدمية من تأمين الرفاه وضمان الأمن والاستقرار والسعي لبناء البنية التحتية الخدمية والانتاجية للشعب والدولة.

مرّ قرابة عقدين على تسلم القوى الشيعية للسلطة في بغداد، ولم تستطع تقديم نموذجا لحكومة تكسب ود العراقيين واقناعهم بأنهم باتوا في عهد افضل من سلفه. وتفاوتت مشاعر عدم الرضى ازاء السلطات الجديدة للدولة العراقية بين ثلاثية التكوين الاجتماعي العراقي، وتباينت ايضا درجات عدم الرضا والاحساس بالحرمان بين السنة والكرد والشيعة. ان يشعر السنة والكرد بعدم الرضا من حكومة يقودها الشيعة مسألة واردة وليست غريبة في ظل سيادة الحكم بمنظوره الشرقي واسلوبه التسلطي الفردي، لكن الشعور المماثل للشيعة ازاء هذه الحكومة، تستوجب المزيد من التوضيح.

في خضم التغيير الذي عصف بالنظام السياسي العراقي بعد تحطم الصندوق المغلق الذي اودع حاكمه المطلق الذي ان (قال) فان قوله هو لغة العراق، مفاتحه السحري في دهليز كانت حتى العفاريت تخشاه، هذا التغيير انعكست ارتداداته على مختلف مجالات حياة السكان, وقد استبشر الشيعة خيرا، وصوتوا بقوّة للدستور الذي اقرّ عام 2005 وهم يأملون دخولهم عصر جديد ينعم فيها المكون بحياة حرّة كريمة.

النخب الشيعية الحاكمة فشلت في قيادة البلد بشكل فاق اسوء التوقعات، لذلك شهدت مدن الجنوب الشيعي المزيد من الاحتجاجات ومظاهر المعارضة للسلطات التي تقودها هذه النخب. مع ان عدد من التيارات الشيعية حاولت ركوب موجات الاحتجاجات الجماهيرية، لكن الرفض الجماهيري كان شاملا وباتت الجماهير (خصوصا شريحة الشباب) تنزل للشارع وهي تطالب بالاصلاح والخدمات وضمان العيش الكريم.

الاحتجاجات المستمرّة منذ اسابيع في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار والتي تتخللها العنف في كثير من الاحيان تقدم الدليل على حالة عدم نجاح النخب والقوى الشيعية في قيادة الدولة، حالات الاعتراض وعدم الرضى التي تجتاح الشارع الشيعي تعني ان حكومات ما بعد 2003 لم تستوفي شروط الحكم الرشيد وبالتالي تراجعت شعبيتها بشكل كبير، خصوصا في ظل سيادة البيروقراطية الحزبية والفساد الاداري والمالي وتسيّد الطفيليين والنفعيين تحت الواجهات الحزبية حتى بات المشهد الحزبي منبوذا على المستوى الشعبي.

الاحتجاجات والمطالبات التي يشهدها جنوبي العراق تضعنا امام معادلة جديدة ابجديتها ثورة جديدة تقودها الطبقات الشعبية المسحوقة من الشيعة ضد حكومة تقودها نخب وقوى شيعية، يمكن ان نطلق عليها ثورة الحادي والعشرين (تيمنا بثورة العشرين عام 1920) والتي تشهد التأجيج المتصاعد في الناصرية منذ مطلع عام 2021.