ملاحظات على الحدث الأمريكي
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

ملاحظات على الحدث الأمريكي

يطوي العالم صفحة دونالد ترامب، ليستقبل إدارة ديمقراطية برئاسة جو بايدن. ولكن هل انطوت صفحة ترامب حقاً في الداخل الأمريكي؟ تقول المؤشرات المتوفرة أن نحو نصف الأمريكيين لم يقبلوا بنتائج الانتخابات الرئاسية ولا يثقون بالنظام. وما نشر 25 ألفا من القوات الخاصة في العاصمة واشنطن، استعداداً ليوم التنصيب، إلا تعبيراً عن أجواء انقلابية أحاطت بعملية التغيير. فما حدث في السادس من الشهر الجاري لا يمكن اعتباره إلا كمحاولة انقلابية قام بها أنصار دونالد ترامب للتأثير على الكونغرس أثناء اجتماعه للتصديق على عملية نقل السلطة.
هذه سابقة غريبة لم نألفها في الولايات المتحدة، بل كنا ننظر إلى ما يشبه ذلك من انقلابات عسكرية أو تمردات شعبية مسلحة باعتبارها من مألوفات الحياة السياسية في بلدان الجنوب التي تتفارق في كثير من الأمور مع بلدان الديمقراطيات المستقرة كحال الولايات المتحدة. مع اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول، اتضح أننا «لسنا وحدنا» وأن النظام الديمقراطي ليس بتلك الدرجة من الاستقرار، ولا هو الإطار المضمون لحل جميع التناقضات في المجتمع، وإعادة التوازنات الراسخة كلما اعترى النظام خلل ما. صحيح أن ترامب استسلم في النهاية وسيخلي البيت الأبيض لخلفه، لكن جبهة مؤيديه لن تزول بغمضة عين، ولا أحد يعرف ما قد يحدث من ردات فعل في مقبل الأيام من أولئك الذين باتت لديهم قصة مظلومية من شأنها الحفاظ على تماسك صفوفهم لفترة قادمة، ما لم يتمكن بايدن وفريقه من استيعاب مطالبهم وتهميش الفئة الأكثر تطرفاً بينهم.
فقد كشفت الوقائع أن المجموعة التي اقتحمت مبنى الكونغرس لم تجتمع بصورة عفوية، بل تم العمل على تحريضهم وتنظيم حركتهم طوال الفترة الفاصلة بين الانتخابات ومطلع العام الجديد. وتقف وراءهم كتلة اجتماعية معتبرة ورجال أعمال وقسم من الإعلام وضباط متقاعدون وعناصر من الشرطة على رأس عملهم، بما في ذلك عدد من المكلفين بحراسة المبنى وقد ساعدوا المقتحمين على الدخول.

هذا الانقسام الحاد في المجتمع بين مؤيدي ترامب وسائر المجتمع، لا يمكن معالجته بإجراءات قمعية كحال السلطات في بلدان الجنوب التي تمد يدها فوراً إلى السلاح في حالات مشابهة، وما أن تتمكن من القضاء على التمرد حتى يبدأ صيد الساحرات «لاستئصال» الخصم بلا رحمة بالاعتقالات والإعدامات وتصفيتهم من إدارات الدولة ومؤسساتها، حتى لو بلغت أعدادهم مئات الآلاف. هذا ما فعلته، مثلاً، السلطات التركية في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة، فاعتقلت فوق مئة ألف من المشتبه بتعاطفهم مع جماعة فتح الله غولن، ناهيكم عن الجماعة نفسها، وطردت أكثر من هذا العدد من وظائفهم واستولت على ممتلكات قسم منهم، وما زالت عمليات الاستئصال جارية إلى اليوم، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على المحاولة الانقلابية. بل إن القمع فاض عن الجماعة أو «بيئتها الاجتماعية الحاضنة» المزعومة ليشمل بعض أحزاب المعارضة والإعلام المستقل مما لا شيء يربطهم بالجماعة، بل كثير منها على خصومة أيديولوجية معها.
أما نظام بشار الأسد فقد تطور رده على الثورة الشعبية السلمية في 2011 من إطلاق النار على المظاهرات واعتقال ما تيسر لأجهزته من المتظاهرين أو «البيئات الحاضنة» إلى شن حرب شاملة على البلاد باستخدام جميع الأسلحة التي في حوزته، وصولاً إلى السلاح الكيماوي، وإذ لم يكف كل ذلك لسحق المجتمع الثائر استعان بجيوش ومجموعات إرهابية من روسيا وإيران ودول أخرى لـ«إنجاز المهمة» بعدما قتل مليون سوري وهجّر ثلث السكان خارج حدود البلاد.
للمقارنة، من ثبت تورطهم في عملية اقتحام مبنى الكونغرس، أطلق سراحهم بكفالة بسيطة بالمقاييس الأمريكية (25000 دولار) وسيحاكمون طلقاء إلى أن يدينهم القضاء. أما الرئيس بايدن فقد اكتفى بإدانة الاقتحام، والتزم الصمت بعد ذلك، فلم يلجأ لتجييش المجتمع ضد المتمردين أو التحريض ضد أنصار ترامب، ليس لأنه لا يملك ما يقول، بحق، ولكن لأنه يريد أن يكون رئيساً لكل الأمريكيين وليس فقط لمن انتخبوه.
عند هذه النقطة يمكننا قول ما قد يبدو متعارضاً مع التشكيك المذكور في مطلع المقال بقدرة النظام الديمقراطي على حل واستيعاب جميع التناقضات في المجتمع. فمسلك الرئيس المنتخب مع ذلك القسم من المجتمع الذي يشكك بشرعيته، سيلعب دوراً إيجابياً في خفض التوتر وتراجع الاستقطاب الحاد في المجتمع، وإن كانت النتائج غير مضمونة، لأن مسالك الطرف الآخر، في مقبل الأيام، قد تفشل أي محاولة من بايدن وإدارته، وتحافظ على الجو المشحون لفترة تطول أو تقصر. مع ذلك يمكن توقع تقلص تدريجي في القاعدة الاجتماعية لترامب، بما يحولها إلى حالة هامشية بمرور الزمن.
نعم، النظام الديمقراطي قد لا يكون مثالياً، وقد تنكشف هشاشته في حالات الاستقطاب الاجتماعي الحاد، وهو غير قادر، بذاته، على حل جميع مشكلات الناس، لكنه يبقى الإطار الأنسب لحل التناقضات الاجتماعية، إضافة إلى أنه يحتاج إلى حماية وتطوير دائمين.