موازنة متعثرة .. بلد متعثر
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

موازنة متعثرة .. بلد متعثر

اصبحت الموازنة العامة للدولة العراقية حديثا يتكرر في وسائل الأعلام بأنواعها، حتى أصبح موضوع الموازنة وعجزها موضوعا أثيرا ينافس السياسة ويزاحمها في مجالس المثقفين والعامة على حد سواء. ويمكن تعريف الموازنة العامة للدولة (Annual Budget) بأنها خطة مالية للدولة تشمل تخمين الأيرادات (العوائد)  وتقديرالمصروفات (النفقات) للحكومة ومؤسساتها لسنة واحدة، ويطلق على هذه السنة اسم السنة المالية والتي تتوافق عادة مع السنة التقويمية. أما العجز في الموازنة العامة فيحصل عندما تزيد نفقات الدولة عن ايراداتها. وفي العراق، توضع الموازنة بصيغة مشروع قانون يعرض على البرلمان في الأشهر الأخيرة من السنة لتصبح جاهزة للتنفيذ في بداية السنة اللاحقة. وعليه يمثل قانون الموازنة الغطاء القانوني لكافة النشاطات والأعمال للوزارات والمؤسسات الرسمية . 

والمتتبع للبيانات الرسمية والتصريحات الاعلامية حول الموازنة في العام الحالي سيجدها، وللأسف، تعكس عدم الاستقرار والتخبط الى حد التضارب في المضمون. ففي تاريخ 1-7 أعلنت اللجنة المالية البرلمانية ان الحكومة شرعت باعداد موازنة العام 2021، متخلية بذلك عن موازنة العام 2020 والتي تأخر اصدارها لأسباب متعددة. وفي 1-9 أعلنت الحكومة خطتها لأعداد موازنة ثلاثة أعوام (2021، 2022، 2023) ، وفي 5-9 أعلنت وزارة المالية عزمها أكمال موازنة 2020 . وفي 21-9 أرسلت رئاسة الوزراء مشروع قانون موازنة 2020 الى البرلمان لمناقشته واقراره لتعود وتسحب المشروع في اليوم التالي من البرلمان لأجراء تعديلات أخرى عليه. هذا ويمكن لأي مراقب أو محلل اقتصادي أن يؤشر جملة من الملاحظات على مشروع الموازنة المقدم:

1- أشار بعض السادة النواب الى وجود مخالفات قانونية وحسابية، أبرزها وجود عجز يقارب النصف من موازنة مقدرة بـ 148 تريليون دينار. وهذا العجز غير المسبوق في تاريخ الموازنات العراقية، يأتي في فترة وصلت المديونية العامة للدولة الى 134 مليار دولار حسب تصريح للسيد وزير المالية.

2-ومن نقاط النقد التي اثيرت، أن الموازنة المقدمة تغطي التقديرات لثلاثة أشهر متبقية من السنة الحالية، عليه قد لايصح تسميتها موازنة سنوية بل موازنة ربع سنوية، حيث جرت العادة أن تسمى كل موازنة باسم سنتها وتغطي كل الاشهر الاثني عشرمن تلك السنة، وهي لذلك موازنة سنوية. وبسبب انقضاء قرابة التسعة أشهر من السنة الحالية، وان جميع الايرادات والنفقات قد سجلت لهذه الفترة، فهي لم تعد تخمينات بل حسابات متحققة، علية فان التعبير المحاسبي (ميزانية) وليس (موازنة) هو الذي يسري وينطبق على بيانات الفترة المنقضية من السنة الحالية.

‏‏3- من غير الواضح كيف سيتم تقديم الحسابات الختامية لسنة 2020 كاملة اعتمادا على موازنة لثلاثة أشهر فقط لن تكون، بطبيعة الحال، معبرة عن الواقع الاقتصادي للسنة المالية بأكملها ؟ علما بأنه وحسب المادة 28 من قانون الادارة المالية رقم 6 لسنة 2019 ، على وزارة المالية تقديم الحسابات الختامية لكل سنة مالية في نهاية شهر يناير من السنة اللاحقة لتعرض على البرلمان للمصادقة عليها. ومن المفارقات، أن الحكومات العراقية المتتالية لم تتمكن من تقديم الحسابات الختامية للموازنة لعدة سنوات مضت، وهذا الامر أثار العديد من التساؤلات حول سبب عدم مطالبة البرلمان بأرسالها كونها ستوضح المخالفات المالية ونقص التمويل والهدر وسوء ادارة إلأيرادات والنفقات في مؤسسات الدولة       . 

‏4- لاريب أن الخبراء والمخططين في وزارة المالية، على دراية وتوقع بالأنتقادات التي ستوجه لمشروع الموازنة ،ويبدو، وحسبما تردد في أوساط الوزارة، أنها، أي وزارة المالية، كانت تعتزم الحصول على غطاء قانوني يسمح لها بالحصول على المزيد من القروض (الخارجية تحديدا) لسد النقص الحاصل في تمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين وهو أمر ليس يسير في حكومة تضم أربعة ملايين موظف و ثلاثة ملايين متقاعد.

ورغم جملة الأنتقادات التي أطلقت والتي لم تطلق ، فمسودة الموازنة المقدمة تضمنت معالجات منصفة وواقعية للكثير من الأمور المستعصية بين الحكومة الأتحادية و اقليم كوردستان أهمها: تحديد نسبة حصة الاقليم من الموازنة بـ 12.6 % مقابل التزام الأقليم بتسليم انتاج 250 ألف برميل يوميا من النفط ، مع تخصيص حصة مستقلة لقوات البيشمركة بأعتبارها جزء من منظومة الدفاع العراقية، اضافة الى معاودة انتاج 350 ألف برميل نفط يوميا من حقول كركوك يتم تصديرها عبر انبوب النفط الذي أنشأته حكومة الأقليم قبل سنوات وتسدد الحكومة الاتحادية مصاريف تشغيل الانبوب النفطي، مع الاشارة الى تقاسم الاقليم والمركز للايرادات الجمركية للمنافذ الحدودية في اقليم كوردستان.

تزخر وزارة المالية الأتحادية وإداراتها بالعديد من الكفاءات والخبرات الممتازة، غيرأن صعوبة الوضع الاقتصادي وعمق الأزمة المالية التي سببها تدهور أسواق النفط بعد تفشي جائحة الكورونا، فضلا عن مداخلات السياسة ورجالاتها، كل ذلك جعل عمليات تخمين الإيرادات والنفقات والسبل المقترحة لمعالجة العجز، وهذه المسائل هي العناصر الأساسية في قانون الموازنة، مهمة مضنية وثقيلة للغاية، وبسببها أصبح الخروج بموازنة وإن كانت متأخرة، هي أضعف الإيمان في زماننا الصعب.

 

*       أكاديمي عراقي

     govandsh@yahoo.co.uk