مهدي الصميدعي .. عالم سني "معتبر" أم قائد فصيل مسلح موالٍ لإيران ؟

19/05/2019 - 16:45 نشر في التقارير

لم يكتفِ الشيخ مهدي الصميدعي الذي يشغل منصب مايُعرف بمفتي العراق،  بمؤازرة محافظ نينوى المطلوب للقضاء نوفل العاكوب ونادى بإعادته إلى منصبه ، بل ذهب أبعد من ذلك عندما اتهم في تصريح تلفزيوني مواطني الموصل بـ"العنصرية ورفض الآخرين والتأثر بتنظيم داعش الإرهابي وأفكاره" خلال احتلال التنظيم للموصل.

وربما هذه الواقعة الأولى من نوعها ، أن يقدم رجل دين "سني" على النيل من أهالي مدينة الموصل ، أو سكان أي محافظة عراقية ، خاصة وأن الصميدعي يقدم نفسه على أنه مفتى جمهورية العراق ، بالرغم من أن هذا المنصب لا وجود له أصلًا في سجلات الدولة الرسمية ، ما يضع علامات استفهام حول نفوذه الواسع والجهات المتنفذة التي تقف خلفه.

سجن بوكا

وقَدِمَ الشيخ الصميدعي من سجن بوكا الذي كان معتقلًا فيه لدى القوات الأميركية بمحافظة البصرة، وتلقى علومًا دينية هناك علي يد رجال متطرفين ، وإرهابيين ، لكنه لم يتأثر بهم بشكل تام ، إذ خرج من المعتقل وهاجر إلى سوريا ، ليعود إلى العراق بدعم من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ، الذي منحه جامع أم الطبول وسط بغداد، وترأس هيئة دينية اسمها ”هيئة إفتاء أهل السنة“ ليتطور الأمر لاحقًا ويعلن الصميدعي نفسه مفتياً لجمهورية العراق ! .

ولم يرد في النظام الدستوري القانوني العراقي، وفي قوانين الأوقاف والأنظمة الدينية والتشريعات الخاصة بذلك ، أي منصب رسمي تحت تسمية "مفتي جمهورية العراق "وذلك منذ عهود ، حتى أن قانون الأحوال الشخصية لم ينظر بعين الاعتبار في أي من مواده إلى وجود مفتٍ أو رجل دين يصادق على القرارت أو يؤثر فيها.

علاقة واضحة بإيران والحرس الثوري

الصميدغي مع اللواء سليماني وابومهدي المهندس

لا يخفي الشيخ الصميدعي علاقته الوثيقة بإيران وفصائلها المسلحة في العراق ، ويعلن على الدوام ولائه الثابت لها ، وهي ظاهرة قلمّا تكون لرجل دين "سني" ، إذ يمتاز العلماء والدعاة السنة في العراق ببعدهم عن الحكومات المتعاقبة ، إلا فيما يتعلق بالشؤون المطلوبة منهم ، وعدم تملقهم أو الترويج للقرارت الحكومية والتهليل لها، وهو ما وجده الشيخ الصميدعي فراغًا فسعى إلى املائة ، وذلك عبر بوّابة إيران والحرس الثوري والعلاقة بمليشيات الحشد الشعبي .

وأعلن الصميدعي في تصريحات متكررة أن "إيران تشرّف العالم باسمها ، كونها ارتضت أن تسمي نفسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية "، معربًا عن أمله في أن "يسمي العراق نفسه الجمهورية الإسلامية العراقية "، بالرغم من أن العراق يضم مختلف الأديان كالمسيحية واليهودية واليزيدية والصابئة وغيرها من الأديان والقوميات غير المسلمة .

ونهاية العام الماضي أشعل الصميدعي جدلًا واسعًا بلقائه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في جامع أم الطبول ، وهي سابقة لم تحدث مطلقًا لشيخ سني ، فضلًا عن أن تكون لدكتور يطلق على نفسه "مفتي جمهورية العراق".

ووفقاً لبيان دار الإفتاء العراقية آنذاك ، فإن الصميدعي استقبل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس لبحث تطورات الوضع السياسي ، وتشكيل الحكومة العراقية .

اللواء قاسم سليماني يلتقي مفتي اهل السنة في العراق +الصور

وتوثقت صلات الصميدعي بإيران كذلك عبر زياراته المتكررة إليها ولقائه المرشد الإيراني علي خامنئي ، وحضوره الدائم لفعاليات السفارة الإيرانية في بغداد ، وعلاقته الشخصية بإيرج مسجدي سفير طهران في العراق ، فيما يتساءل معنيون ومراقبون عن سبب تلك العلاقة الغامضة والدعم المطلق للشيخ الصميدعي ، وهل يأتي ذلك دون مقابل؟.

Related image

جامع أم الطبول.. ثكنة عسكرية

واستطلع مراسل (باسنيوز) مقر إقامة الشيخ الصميدعي في العاصمة بغداد ، وهو جامع أم الطبول أشهر مساجد العاصمة ، استولى عليه الصميدعي قبل سنوات ، وحوّله إلى مستعمرة خاصة به ، مع أقربائه وحرّاسه الشخصيين ، حيث يسيطر الشيخ على نحو 150 شقة سكنية تقع خلف المسجد ، ويحصل على إيجارها الذي يتراوح بين 500- 700 مليون دينار ، إذ أن أغلب سكنة هذا المجمع هم من موظفي الوقف السني, كما بنى الشيخ الصميدعي منزلاً فخمًا في محيط الجامع يطل على الشارع العام لمنطقة اليرموك.

ومع دخولك المسجد فإن عدد كبيرًا من الحرس الشخصيين يقفون بباب الصميدعي، وهو ما يثير التساؤلات عن طبيعة  التمويل الذي يحصل عليه من والجهات التي لها القدرة على إنفاق الأموال بتلك الطريقة ، إذ اعتاد الشيخ الصميدعي على إقامة الولائم وكسب ولاءات المشايخ ، عبر ضمّهم إلى دار الإفتاء التي يتزعمها .

Related image

وجامع أم الطبول سمي فيما بعد (جامع ابن تيمية) ومن ثم رجع إلى تسميته الأصلية ، وهو مسجل في ديوان الأوقاف باسم جامع أم الطبول نسبة لساحة أم الطبول المقام عليها المسجد ، أفتتح في 1968م ، وهو من مساجد بغداد الحديثة الفخمة ، ويقع على أطراف منطقة اليرموك بأتجاه مدينة البياع ، وهو الجامع الأقرب لشارع الخط السريع المؤدي إلى مطار بغداد الدولي.

ميليشيا أحرار العراق

لا يقتصر دور جامع أم الطبول على أن يكون مقرًا لدار الإفتاء العراقية الذي يتزعمه الشيخ الصميدعي ، بل تعدى دوره ليكون مقرًا لمليشيا "أحرار العراق" التي أسسها الصميدعي إبان اجتياح تنظيم داعش عدة محافظات عراقية ، وقال إن تلك القوات شاركت في عمليات عسكرية بمحافظات الأنبار وصلاح الدين ، وحصل على تمويل من هيئة الحشد الشعبي عبر علاقته الوثيقة بزعيم ميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي .

Image result for ‫الشيخ مهدي الصميدعي‬‎

وعلى الدوام يقيم الصميدعي في المسجد تجمعات عسكرية واستعراض لجنود ميليشيا "أحرار العراق"، إذ يتلقون الأوامر والتوجيهات الصادرة من الصميدعي، بالانتشار وطبيعة العلاقة مع المجتمع المحلي ، في المحافظات المحررة، فضلًا عن توزيع الرواتب والمستحقات المالية. 

وبحسب مختصين في الشأن الديني، فإن علماء "سنة العراق" المعتبرين والراسخين في العلوم الشرعية، لا يعتبرون الشيخ الصميدعي مؤهلًا ليكون بهذا المكان أو حتى أقل منه ، وذلك لعدم إكماله تلقى العلوم الشرعية وحصوله على التراتبية المعروفة ، فهو وإن كان يدّعي بأنه "دكتور" في العلوم الشرعية ، إلا أن ذلك لا يكفي للادعاء بأنه مفتى العراق، فهناك آلاف المشايخ الحاصلين على تلك الشهادة .

(قوة أحرار العراق) دار الإفتاء

ويرى رجل الدين المختص فاضل المعماري ، أن " الصميدعي اختار لنفسه طريقًا بعيدًا عن إجماع علماء سنة العراق ، إذ يتجمع العلماء حالياً بشكل واضح في المجمع الفقهي العراقي، وهو تجمع علمائي وازن ومقره جامع أبو حنيفة بمدينة الأعظيمة ، بعيداً عن التجاذبات والميول السياسية ، وأهواء الدول المجاورة، ويبحث على الدوام مصلحة المواطنين وسبل تحقيقها".

ويضيف المعماري خلال حديثه لـ(باسنيوز) أن " أوساط العلماء تعرف من هو العالم الحقيقي والرباني ولا تنطلي عليهم بالتأكيد أن يدعي فلان بأنه عالم أو مفتى ، وحتى المواطنون يعرفون علماءهم، ويأخذون منهم العلم الشرعي ، خاصة وأن أهل السنة ليس لديهم مرجع مثل الشيعة ، لكي يأخذ العالم السني بنصائحه وتوجيهاته ".

وأثار الشيخ الصميدعي مؤخرًا جدلًا بشأن تحريمه تهنئة المسيحيين بأعيادهم وهو ما لاقى رفضًا واسعًا من كل أطياف المجتمع العراقي ، التي رأت في مثل هذه الدعوات والأصوات تهديداً للسلم الأهلي والمجتمعي .