كورونا يكشف عورة العالم

    انتشار فيروس كورونا بهذا الشكل المخيف الذي خرج في بعض المناطق من العالم عن سيطرة الدول كشف عورة النظام الحالي الذي يسير وفقه العالم منذ عقود، سواء أكان ذلك خاصاً بالعلاقة الداخلية القائمة بين الدولة ومواطنيها أم بالعلاقات القائمة بين الدول ذاتها. لقد كشف كورونا أن العالم يسير وفق نظام هش وضعيف إدارياً وأخلاقياً سقط في أول اختبار حقيقي لفعاليته وجدواه. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى مجموعة من المشاهد والوقائع التي تشير إلى ضعف هذا النظام البشري وهشاشته وهشاشة قيمه الأخلاقية أيضاً:

1ـ لا بد من التنويه بدابة إلى أنه على الرغم من أن منشأ الفيروس آسيوي صيني فإن بؤرة انتشاره بعد الصين لم تكن دولاً آسيوية مثل كوريا واليابان وسنغافورة وماليزيا (ناهيك عن دول آسيا العربية)، بل أصبحت أوروبا (وكذلك أمريكا مرشحة أن تكون) هي بؤرة انتشار الفيروس حتى الآن. وإذا نظرنا إلى لوحة ترتيب الدول من حيث عدد الإصابات سنلاحظ أن الصين تتصدر الجدول وقد توقف رصيدها تقريباً عند 81 ألف إصابة، بينما يشهد عدّاد دول أوروبا (الغربية تحديداً) مثل إيطاليا وأسبانيا وألمانيا وكذلك في أمريكا ارتفاعاً مذهلاً على الرغم من وجود أنظمة صحية قوية لدى تلك الدول مقارنة بأفضل دولة آسيوية في هذا الإطار أو حتى بروسيا الاتحادية التي مازالت الدولة الوحيدة في العالم التي لم تتوقف فيها الفعاليات الرياضية والتجمعات حتى الآن. وبعد أن كانت الصين تستنجد بالعالم لمساعدتها صارت ترسل فرقاً طبية لمساعدة الآخرين!!!. كل هذا يرسم إشارة استفهام كبرى قد نجد لها إجابة في الأسابيع والشهور القادمة من خلال فضيحة أو حرب؟!!!

2ـ  في خضم هذا السباق المحموم لمواجهة العدو المشترك وفي ظل موت المئات يومياً والرعب الذي يعيشه كل العالم ذهبت بعض الدول أو الجماعات أو الأحزاب إلى استثمار الكارثة وتوظيفها لمصلحتها السياسية ولإسقاط خصومها في المقابل، ولو من خلال الحرب الإعلامية والاتهامات المتبادلة. فبدلاً من الوقوف على المسألة بجدية ومواجهة الخطر المحدق في بداياته، ذهبت الإدارة الجمهورية في أمريكا مثلاً إلى اتهام الديمقراطيين بتضخيم المسألة لأسباب انتخابية، ثم عادت بعد استفحال الأمر وفرضت إجراءات مشددة. أما في إيطاليا فقد ذهبت المعارضة لاتهام الحكومة بأنها تضخم المسألة لإلهاء الناس وإخفاء عيوبها وفشلها ثم بعد انتشار الفيروس وموت المئات عادت واعتذرت للناس. في الحالتين ما كان يهم تلك الأطراف المتجادلة هو كسب أصوات الناس وليس الحفاظ على أرواحهم. أما الحكومة الإيرانية فقد اكتفت باتهام أمريكا بإنتاج فيروس خاص بالجينات الإيرانية ودعا مرشدها إلى زيادة الإنجاب لمواجهة المؤامرة.

3ـ مشهدان متناقضان والنتيجة واحدة: في إيران لم يلتزم الناس بنصائح الحكومة بعدم الخروج إلى الشوارع والأسواق والتجمع بأعداد كبيرة. وهو ما فعله كذلك بعض العراقيين الذين تجاهلوا توجيهات الحكومة وأصروا على ممارسة طقوسهم الاجتماعية والدينية بصفة معتادة. المشهد الآخر كان في إيطاليا، حين أصر قسم كبير من الإيطاليين على الخروج إلى الشارع وإلى البحر وإلى الأسواق دون الالتفات إلى توجيهات الحكومة. المشهد الأول يعبر عن جهل واستهتار بالقانون وبسلطة الدولة، أما الثاني فهو نتيجة الحرية الفردية التي اعتادها المواطن الأوروبي، والذي يرى أنه ليس من حق الدولة منعه من ممارسة حياته كما يحب. المنطلق في المشهدين (وهما موجودان في أماكن أخرى من العالم طبعاً) مختلف، ولكنهما يلتقيان في نقطة واحدة هي: العلاقة الضعيفة بسلطة الدولة بسبب وجود سلطة (دينية أو فردية) أقوى. أما النتيجة فواحدة: إصابة أعداد كبيرة من الناس بالفيروس، بسبب الاستهتار وضعف السلطة.

4ـ استكمالاً للفقرة السابقة أظهرت الأزمة أن الدولة الحديثة باتت بحاجة إلى قوة الجيش لفرض قراراتها على شعوبها؛ فعلى الرغم من أن الدولة اتخذت قرار حظر التجول لحماية الناس فإن كثيرين لم يلتزموا به وأصروا على الخروج، ما دفع الدولة لاستخدام الجيش وفرض غرامات مالية باهظة وعقوبات بالسجن لمن يخرق الحظر. وهذا يدفع للتساؤل أولاً عن درجة الوعي لدى الناس في كل أماكن العالم، وثانياً عن مفهوم الدولة أو السلطة ودورها إذا لم تكن مصحوبة بالقوة والعقوبات الصارمة حتى في حالات السلم المعتادة. فعندما تحتاج دولة مثل فرنسا (دولة المدنية والقانون) لنشر الجيش في الشارع كي تفرض قراراً على المواطن (هو من أجله أساساً) علينا أن نتساءل عن طبيعة تلك العلاقة وعن درجة الوعي العام.

5ـ كشف كورونا مدى كذب الحكومات على شعوبها واستهتارها بحياتهم مقابل ظهورها بصورة حسنة (ولو كاذبة) أمام الناس والأنظمة والحكومات والدول الأخرى؛ فالكثير من الحكومات أنكرت لفترة طويلة وجود أية إصابة في بلادها، ليكتشف العالم إصابة المئات وموت العشرات من أبناء تلك الدولة. السؤال هنا هو: إذا كانت الحكومة تكذب على شعبها في مشكلة قادمة من الخارج وعالمية ولا دور لها فيها، فما كم الكذب والتضليل الذي تمارسه على الناس في القضايا التي تكون من صنع يدها هي؟؟.

6ـ كشف كورونا عن مدى ضعف البنية التحتية والخدمية للكثير من الدول، وخصوصاً الشرق أوسطية منها؛ فمثل هذه الدول طالبت شعوبها بعدم الخروج من المنزل، ولكنها لم تقدم البديل من ذلك الحجر الذاتي على المستوى المعيشي اليومي: بمعنى، كيف يمكن للمواطن أن يتدبر احتياجاته اليومية دون الخروج لمدة أسبوعين؟ ومن أين سيحصل على الأموال اللازمة لمعيشة قد تطول لشهور إذا توقف عن العمل؟. كل هذا من اختصاص الدولة التي لا تستطيع توفيره للمواطن وتكتفي بمطالبته بالتزام المنزل. قال مواطن في دولة عربية على شاشة التلفاز: نحن ملتزمون بقرار الدولة، ولكن علينا تأمين احتياجاتنا من طعام ودواء.

7ـ أهم سبب لتأخر الحكومات في الإعلان عن وصول الفيروس لبلدانها واتخاذ الإجراءات الاستباقية اللازمة هو خوفها من الخسائر المالية؛ فالإعلان عن وجود إصابات يعني وجوب إيقاف الحياة العامة، وهو ما يتسبب في خسائر كبيرة للدول وكذلك للشركات الخاصة. وهذا يكشف من جديد أن الشعوب وسلامتها تأتي في المراتب التالية من سلم أولويات الحكومات، ولكن بنسب متفاوتة طبعاً.

    أزمة كورونا كشفت ضعف الدولة وعدم قدرتها (إلا نادراً) على رعاية مواطنيها في الأزمات الكبرى. كما كشفت حجم المتاجرة السياسية بأرواح الناس، سواء أكان ذلك بين الدول أم داخل الدولة الواحدة. وتبين كذلك أن سلطة الدولة على المواطن في هكذا حالات ضعيفة وأن المواطن في كثير من الأماكن لا يثق بدولته ويستهتر بقراراتها. وظهرت شريحة من الناس غير قادرة على الالتزام بالقرارات ومراعاة المصلحة العامة.

    بناء على ذلك من المرجح ألا ينتهي تأثير كورونا بانتهائه بعد شهور أو سنوات، بل قد يعيد كل من المواطن والدولة في كل مكان في العالم النظر في علاقته بالآخر في مرحلة ما بعد كورونا. وقد يدفع كورونا كل طرف (فرداً أو دولة) إلى إعادة حساباته الداخلية والخارجية (إدارياً وسياسياً واقتصادياً) بعد انقشاع غبار هذه الأزمة وقد يتغير بموجب ذلك سلوك الأفراد والجماعات والدول والكثير من المفاهيم السائدة. في كل الأحوال لن يكون العالم ما بعد كورونا كما كان قبله..