لماذا فقد البى كى كى بريقه؟

في الحياة فرص سانحة، تأتي بسرعة وتزول بسرعة، قد يستفيد منها الإنسان بسبب ذكائه وخبراته وعلمه، فيزداد ثراءً أو رفعةً وشهرة أو سطوةً وقوة، في يومه هذا ثم يفقد كل ذلك في يومٍ آخر لسوء حساباته وعدم تقديره الصحيح للظروف والمستجدات من حوله، أو لغروره الشديد وغلّوه في استخدام الأساليب التي تخالف المنطق والعقل أو لاستكباره والاعتقاد بأن الأتباع والأصدقاء يعظمونه ويجلّونه خوفاً من بطشه وكثرة حيلته وقدرته على مسحهم من على وجه الأرض في لمح البصر. وهذا الآفات لا تنتشر بين الأفراد فقط، وإنما بين الأحزاب السياسية أيضاً، فكم من حزبٍ في أوروبا كان حاصلاً على أغلبية أصوات شعبه في انتخاباتٍ برلمانية، وإذا به يفقد شعبيته بل حتى تأثيره في تشكيل أي حكومة لبلاده، ومنها ما أصبح مجرّد أقلية في برلمان بلادها.

حزب العمال الكوردستاني الذي تأسس في نهاية سبعينيات القرن الماضي سنحت له الفرصة ليصبح في أعوامٍ قليلة أقوى حزبٍ سياسي في عموم كوردستان، طبعاً لا ننكر دور التضحيات الجسيمة لكوادره المعتقلين في سجن (آمد – ديار بكر) الرهيب، وفي مقدمتهم الشاب مظلوم دوغان الذي أطلق بين أيدي جلاديه الطورانيين صرخته العظيمة (في المقاومة حياة)، على أثر انقلاب الجنرال كنعان إيفرين الدموي في عام 1980، فقد ألهب ذلك حماس جماهير شعبنا في شتى أنحاء كوردستان، ومزّق ستار الرعب الذي فرضه الطورانيون على الكورد لعقودٍ عديدة من الزمن، ثم ساهمت أولى العمليات القتالية التي شنّها الحزب في عام 1984 في ترسيخ رأسماله الحزبي بين الجماهير الكادحة، وزاد في تعميق العلاقة بين الشعب والحزب أطروحة (حرية واستقلال كوردستان) التي لم تدخل فعلياً في مانيفستو تأسيس الحزب، وفيما بعد في أي وثيقة رسمية له، بل شقت طريقها إلى قلوب الكورد شفهياً وفي أغلب الأحيان عن طريق الأناشيد الحماسية الثورية، وفي مقدمتها أشعار الشاعر الكبير جيكرخوين الوطنية عن الكورد وكوردستان التي أنشدها وغنّاها شفان برور بصوته الشجي الذي رسم بقدرته الغنائية العجيبة صورةً لم تكن في الحقيقة مطابقة لما كان يتم تدريسه لكوادر الحزب المستعدة للموت في سبيل الوطن، إلاّ أنها كانت تتربّى على أفكار ماركسية – ماوية مختلطة وبعيدة على الأغلب عن الواقع الذي في وطن الكورد من مختلف النواحي وعلى خطابات الرئيس المليئة بالتناقضات العجيبة فعلاً.

بدأ الحزب حياته العملية بتصفية كوادر الحركة الوطنية الكوردية في شمال كوردستان، وفي مقدمتها حركة (كوك) المناضلة، ولذلك فقد خيمّت الشكوك منذ البداية على قيادة هذا الحزب الذي شرع في نهش جسد الحراك السياسي – الثقافي الكوردي، واستمر على منوال العداء السافر لمختلف القوى الديموقراطية في كوردستان بذريعة أنها متخلّفة لا تفعل شيئاً للشعب الكوردي الفقير وبأنها خائفة من الحكومة التركية التي تحتل أكبر جزءٍ من كوردستان، ولكن الحزب هادن قوى وحكومات قمعية ودموية، وفي مقدمتها نظام صدام حسين الذي قدّم له الحزب نفسه طوعاً كحليفٍ أو كمرتزق ضد "الجيب العميل في شمال العراق!" وهذا مثبت في 16 وثيقة سرية تم الاستيلاء عليها من مراكز الأمن العراقي من قبل ثوار اقليم جنوب كوردستان أثناء انتفاضة 1991 الشعبية. وهذه كانت من أهم الأخطاء السياسية لحزب العمال الكوردستاني على الصعيد القومي، ومعلوم تاريخ هجماته المسلّحة على بيشمركة كوردستان ومحاولته بالتعاون مع جحوش سابقين للقضاء على نفوذ الحزب الديموقراطي الكوردستاني كلياً، وهذا ما كان سيفرح له حكام أنقرة وطهران وبغداد ودمشق أيضا لو تمكّن حزب السيد أوجلان من تحقيق ما كان يطمح إليه في معاركه خارج شمال كوردستان. لقد دخل الحزب في صراعاتٍ دموية مع المعارضين الكورد لمساره المعادي لكل التيارات غير التابعة له، فشرع بعض الديموقراطيين الكورد يتهامسون حول جدية العداء بين هذا الحزب والحكومة التركية، بل منهم من اتهمه بأنه من انتاج "الدولة التركية العميقة" بالذات.

الخطأ الآخر الذي وفعت فيه قيادة الحزب كان تأليه رئيسه وجعله "معصوماً" والسعي لتصفية كل من يقف في وجه السيد أوجلان أو يتحدث ولو همساً عن أخطائه الكثيرة، آيديولوجياً وسياسيا وقتالياً، وفي الحقيقة إنه لم يقم حتى بجولة على مقاتلية في أرض كوردستان وإنما قضى كل الفترة الطويلة من نشاطه بين إعلان القتال في عام 1984 وبين اختطافه من نيروبي بكينيا الأفريقية، كزعيم ثورة في دمشق السورية ووادي بعلبك في لبنان، وهذا كان جديداً في تاريخ الكفاح الوطني الكوردي، فالقائد موقعه كما يعلم الكورد في مقدمة قواته وليس في مكانٍ بعيد، أي لا ثورة بجهاز الريموت كونترول، كما كتبنا قبل أعوام في مقالٍ لنا. ولذلك فإن تحويل الحزب العمالي، الثوري، الطبقي، إلى تبعية مرعوبة باستمرار خاضعة لإرادة شخصٍ كان يطمح أن يكون قريناً لستالين أو ماوتسي نوتغ، ويطلب من مؤيديه القضاء على كل من لا يوافقه الرأي داخل الحزب وخارجه بتهمة الخيانة للقائد والثورة، قد أدّى إلى انحسار الثقة بآيديولوحية الحزب وتخلّي كثيرٍ من كوادره الواعين عنه، ومنهم من فقد حياته في خضم الصراع بين القيادة والقاعدة الحزبية، وثمة قصص عديدة عن تمردات الكوادر على رئيس الحزب ومن ثم تعرّضهم للاغتيال أو للمحاكمات السرية "الشعبية!" حتى في الدول الأوربية أيضاً.

الخطأ الأكبر للحزب كان نسج علاقاتٍ في أوروبا مع أشد التنظيمات اليسارية تطرّفاً والسعي لإظهار تلك العلاقات كانتصارات سياسية وكإعتراف أوروبي بالحزب ونهجه وقائده الذي كان يهين كل الزعماء سوى حافظ الأسد الذي كان يأويه في سوريا وكان يستهين بالطبقة السياسية الحاكمة في الدول الأوربية، مما دفع بكل الأحزاب من الوسط الديموقراطي لرفض العلاقة مع حزب العمال ولوضع اسمه في قائمة التنظيمات الإرهابية لكثرة ما وقعت منظماته الأوربية في أخطاء فاحشة، سيطول الحديث عنها لو ذكرناها في هذا المقال. وباختصار كانت ممارسات الآبوجيين في أوروبا لا توحي أبداً بأنهم ينتمون إلى حركة سياسية تحررية واضحة المعالم وإنما إلى تنظيم ماركسي– ماوي معادي للحرية والديموقراطية تماماً. لقد أصبح الحزب بذلك النهج الأهوج معزولاً من (التيار العام – مين ستريم) في أوروبا وبات الديموقراطيون ينظرون إليه كتنظيم يساري متطرّف، بل وعبثي في أغلب الأحيان.

قبيل اختطاف السيد أوجلان في كينيا كان الاتحاد السوفييتي قد انهار فعلياً من الداخل وليس نتيجة حربٍ مع قوى خارجية، وعلى الرغم من ضعف العلاقة بين الحزب الأوجلاني والعالم الاشتراكي بأسره، فإن انهيار الشيوعية قد أسقط الخلفية الآيديولوجية للحزب، ومنذ محاكمة رئيس الحزب تغيّرت استراتيجيته ب180 درجة أمام أعين الشعب الكوردي والعالم، فأصبحت حرية رئيس الحزب أهم نقطة في الاستراتيجية الأوجلانية، واختفت المعالم الخاصة بحركة التحرر الوطني الكوردية، رغم عظمة التضحيات التي قدّمها كوادره، وتمكّن حزب العدالة والتنمية التركي بصعوده إلى سدة الحكم أن يقلّص من نفوذ الحزب الذي بدأ يتراجع عن كل طموحاته "الكوردية"، وبسبب تخبطات قيادة الحزب المختفية في كهوف جبل قنديل التي راحت تنسج علاقاتها مع إيران الملالي وتابعها النظام الأسدي في سوريا. فانهار ما تم بناؤه بدماء الشباب الكوردستاني وبخاصة من منطقة عفرين التي نالت عقابها من الطورانيين الأتراك الذين لم يقصفوها فحسب وإنما نهبوها وشرعوا في تغيير بنيتها السكانية ومارسوا فيها كل الفظائع والممارسات الإرهابية من خلال دفع التنظيمات العربية والتركمانية وسواها للقيام بحملاتٍ قمعية على المواطنين الكورد، انتقاماً من تفرّد الحزب الأوجلاني بالسيطرة عليها من قبل... وقد يطول الحديث إذا ما تطرّقنا إلى كل سياسات حزب العمال الكوردستاني التي أدّت إلى النتائج الوخيمة التي نراها في غرب كوردستان اليوم، وليس في عفرين وحدها.

وهكذا، منذ اعتقال السيد أوجلان نرى أن حزبه قد فقد بريقه الذي حصل عليه في فرصةٍ تاريخية سنحت له بعد الانقلاب الدموي في عام 1980 وفي ظل حافظ الاسد الذي كانت له خلافات عميقة مع أنقره بسبب حصة سوريا من مياه نهر الفرات وتحت ضغوط نظام صدام حسين المطالب بمزيد من كمية الماء المتدفق عبر الحدو السورية – العرقية، وكذلك بسبب طموحات الأسد الطائفية لاستنهاض الأقلية "العلوية" في تركيا، إلاً أن فشل حزب العمال في تحقيق أي نصر عسكري طوال السنوات العديدة الماضية منذ إعلانه القتال في عام 1984 واختياره ما سماه ب"الخط الثالث" بين ثورة الشعب السوري المجيدة ونظام الحكم الأسدي قد أسدل الستار على إنجاز وليده السوري "حزب الاتحاد الديموقراطي" الذي حارب ضد إرهاب داعش بلا هوادة ولكنه ابتعد عن التيار السوري العام لقوى المعارضة والثورة السورية، وحاول في الوقت ذاته إقامة العلاقات السرية والعلنية مع أنقره، وهو الذي يتهم المجلس الوطني الكوردي بعمالته وخيانته لأنه طرف في المعارضة السورية المتحالفة مع أنقره، وهذا التشابك في العلاقات والتنافرات يفتح باب أسئلةٍ أخرى قد توضّح لنا أجوبتها الأسباب التي جعلت حزب العمال الأوجلاني يفقد بريقه بين الشعب الكوردي، ويبدو هذا واضحاً من خلال مراقبة الانتخابات التشريعية التركية في السنوات الأخيرة.