المؤرخ خزعل الماجدي: فرعون لم يكن ظالما بل كان مثالا للأخلاق!!

ربما يعد الباحث العراقي بشؤون التاريخ القديم الدكتور خزعل الماجدي ، والمختص بعلم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، وهو أيضاً شاعر وكاتب مسرحي ، يعد واحدا من الباحثين القلائل ، ممن يحسبون على المؤرخين الضليعين والمتفردين بتفسير حركة التاريخ والحضارة والعلاقة بينهما ، وهو يهتم بالوثائق والآثار التاريخية والاثر المادي للحضارة ، عند تأشير أية مرحلة تاريخية ، أو للتدليل على وجود معلم لحضارتها، وهو ينفي أن يكون للدين أيا كان، على رغم أهميته وقدسيته، أي دور لأن يقترب من التاريخ من قريب أو بعيد!!

والأكثر من هذا يرفض الباحث الدكتور خزعل الماجدي أية علاقة بين التاريخ والكتب السماوية ، حتى بضمنها القران الكريم، ويؤكد أنها أفكار ومعتقدات روحية وقيمية لايمكن أن تكون دليلا على وجود حضارة في أية مرحلة من مراحل التطور البشري، ومن الأفضل عدم حشرها في أي مبحث عن الحضارات القديمة ، ولا تعد مصدرا للتأريخ بأي حال من الأحوال!!

يهتم الباحث والمؤرخ القدير خزعل الماجدي بالكشف عن حقائق غاية في الأهمية ، وبخاصة عن تاريخ مصر والفراعنة وآلهة مصر القديمة ، حيث يعد فرعون هو الحاكم المصري الوحيد الذي يحمل هذا الإسم، ولا علاقة لحكام مصر الاخرين بهذه التسمية ، أي أن فرعون هو الحاكم الوحيد الذي يسمى بهذا الإسم ، وان حكام مصر لايطلق عليهم ( فراعنة ) أو ( فرعون) بل (الملك) أو (العزيز) أو الحاكم ، وفرعون كما يقول إسم علم يختص به وليس لقبا، وقد ورد ذكر إسم فرعون في القران الكريم (74) مرة، لكن الاكتشاف المثير والخطير الذي فجره الماجدي قبل عام مضى تقريبا ، هو أن فرعون مصر لم يكن ظالما ولا دكتاتورا كما يقال ، وإنما قال عنه أنه كان طيبا ومثالا للاخلاق وعادلا، وهو بهذا يحاول أن (يدحض) حتى الرواية التي وردت في القران الكريم عن فرعون بأنه (طاغية) ، وبخاصة الآية التي أشارت الى النبي موسى(ع) عندما قال له الله سبحانه وتعالي (إذهب الى فرعون انه طغى ) الآية 43 سورة طه، وقوله تعالي (إإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴿١٤١ الأعراف﴾).

وقبل ذلك كان الماجدي قد توغل كثيرا في مباحث اللغة العربية وادابها وهو الشاعر والناقد والمؤرخ الحصيف، وقد سعى الى تحليل اللغة العربية وادابها وأراد تحويلها قبل قبل ثلاثة عقود ، الى نظريات علمية تخضع للتحليل العلمي الاحصائي ، وسعى الى (هندسة اللغة) وبنيتها ، واثار نظريات لغوية شغلت الباحثين في علم اللغات وادابها وفنونها ، وبقي على الدوام (مشاكسا) لايهدأ له بال ، إلا ويحاول أن يقدم (إكتشافا نظريا علميا) عن كل العلوم التي غطس بين بحورها ، فإستخرج منها لآليء ودرر ، وكنوزا من المعرفة ، ربما لم تكن تخطر على بال!!

وقبل أكثر من عام ، أثار الباحث العراقى خزعل الماجدى الكثير من الأفكار خلال مشاركته فى معرض القاهرة الدولى للكتاب ، بعدما ناقش مع أساتذة ومختصين في شؤون التاريخ والعلوم الأخرى كتابه المهم "الحضارة المصرية"  ، فذكر عظمة الحضارة المصرية القديمة وانها الحضارة الأقدم والأكثر طورا في التاريخ، ، وقال إن الفراعنة يقصد (حكام مصر وملوكها)  كانوا يحتفون بالعدل، ولم يكونوا ظلمة أبدًا، مؤكدًا أن النصوص الموجودة في مصر على الآثار لم تشر أبدًا إلى موسى أو يوسف".

وبشأن أهمية الدين في حياة المصريين يقول الماجدي:"إذا كنا قد إخترنا الدين المصرى محطة ثالثة فى سلسلة التراث الروحى للإنسان، فذلك لاعتقادنا أن هذا الدين يشكل الجذر الأعرق فى الحياة الروحية للإنسان، بل ويمتاز على جميع الأديان القديمة بثباته الزمنى النادر، فقد إمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام وهو يهضم فى جهازه فى كل جهازه المركب أخصب وأعقد التحولات الروحية التى كانت تطرأ على العالم القديم ، فى حين كانت الأديان الأخرى تستبدل بغيرها أو تزول، إما لأسباب حضارية أو لأسباب داخلية تمنعها من الاستمرار، وكان الدين المصرى هو الأندر والأخصب والأعظم بين أديان العالم القديم قاطبة، ونرى أن أى كتاب، مهما كان، لا يمكنه تغطية الجوانب والطبقات الثرية لهذا الدين".

ثم يشير الباحث القدير الدكتور خزعل الماجدي الى ملاحظة مهمة وهي ان الديانة اليهودية هي الوحيدة التي لم تبني حضارة، ولم تشكل معلما حضاريا ، على عكس الديانتين المسيحية والاسلام التي بنت معالم حضارة، وبخاصة الإسلامية، حيث كانت معالمها الشاهقة من الصين الى الاندلس ، أبرز تلك الانجازات التي حققتها، وبقيت حضارة الاندلس ، هي المعلم الأكثر بروزا في تلك الحضارة.

ومن المعروف أن الله بعث الى اليهود مابين مايقرب من (600) نبي ، كما يقال ، لكنهم لم يؤمنوا بكل هؤلاء الانبياء الا قلة منهم ، وكان الطمع والجشع وسيطرتهم على سوق المال هو من يحرك دوافعهم ومصالحهم ، وأنكروا الاعتراف بأي نبي أو دين سماوي، وهم الذين قتلوا معظم انبيائهم، وبرغم أن الله اعدهم في القران الكريم بانهم لهم الأفضلية في الاعتراف بزمنهم أنذاك عندما قال في محكم كتابه : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ / سورة البقرة: الآية 47  ، الا انه سبحانه وتعالى كثيرا ما عبر عن امتعاضه من تعالمهم مع أنبيائهم ومن كفرهم وعدم اعترافهم بانبيائهم وتوراتهم وكيف زوروها ، وزادوا وانقصوا من نصوصها وحرفوها على شاكلة قوله تعالي (يحرفون الكلم عن مواضعه) ، لكنهم اليوم هم المسيطرون على حركة العالم وهم من يوجهون دولا كبرى ، ويقودون امبراطوريات من خلف حجاب !!

الباحث العراقى الكبير الدكتور خزعل الماجدى ناقش فى كتابه "الدين المصرى"، تاريخ المصريين مع الدين فى الزمن القديم، مؤكدًا أنه الأندر والأخصب والأعظم بين أديان العالم القديم. ويؤكد الماجدى أنه : "مع بدء العصور التاريخية، فى حدود منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، كان الدينان السومرى والمصرى يشكلان أعظم جذرين راسخين فى الحياة الروحية لإنسان العالم القديم".، مايعني أهمية كل من الحضارتين العراقية والمصرية في التاريخ!!

 وأوضح الدكتور الماجدي فى مقدمة الكتاب "أن الدين المصرى كان يتشكل بخصوصية نادرة ويشحذ معه كل خصوصية مصر وشعبها العريق الذى ظهرت حضارته العظيمة مبكرة، وكان هيكله المثولوجى واللاهوتى والطقوسى يعكس نمطًا جديدًا من التصور الروحى الذى كان له أعمق الأثر فى أديان تلك العصور".

 ويضيف  "إذا كنا قد اخترنا الدين المصرى محطة ثالثة فى سلسلة التراث الروحى للإنسان، فذلك لاعتقادنا أن هذا الدين يشكل الجذر الأعرق فى الحياة الروحية للإنسان، بل ويمتاز على جميع الأديان القديمة بثباته الزمنى النادر، فقد إمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام وهو يهضم فى جهازه فى كل جهازة المركب أخصب وأعقد التحولات الروحية التى كانت تطرأ على العالم القديم فى حين كانت الأديان الأخرى تستبدل بغيرها أو تزول، إما لأسباب حضارية أو لأسباب داخلية تمنعها من الاستمرار، وكان الدين المصرى هو الأندر والأخصب والأعظم بين أديان العالم القديم قاطبة، ونرى أن أى كتاب، مهما كان، لا يمكنه تغطية الجوانب والطبقات الثرية لهذا الدين"، كما يقول!!

وبشأن مكنونات الدين المصري يقول الباحث العراقي خزعل الماجدي، إن محاولته تأتى فى سياق عرضه لأديان العالم القديم والتعرف على التطور الروحى للإنسان، مشيرا الى "اننا حاولنا عرض وتحليل مكونات الدين المصرى وفق منهج علمى يرى أن أى دين يتكون من مكونات أساسية هو (الأسطورة والمعتقد والطقس) ومكونات ثانوية هى (الأخلاق والشرائع) ولذلك قمنا، بعد مقدمة فى التاريخ السياسى والدينى لمصر القديمة، بتحليل وعرض الأساطير المصرية ورسمنا شجرة أنساب لآلهتها الكبرى سعيا لتنظيم دقيق لانحدارات ومآل تلك الآلهة على أساس أنها تنتمى لثلاثة محاور كبرى هى أساطير الخليقة وساطير الإله وأساطير الإله أوزوريس.

 وتناول الباحث فى الفصل الثالث من كتابه عن الدين المصري خمسة جوانب أساسية من المعتقدات والأفكار الدينية التى ضمها اللاهوت المصرى القديم ، وجرى بحث "المؤسسة الدينية ومكوناتها وفى عقائد الربوبية وطبيعة الآلهة والفرعون والإنسان، وفى التشريح اللاهوتى للإنسان، وفى مدارس اللاهوت المصرى الرسمية والشعبية فى عقائد ما بعد الموت التى تشكل العمود الفقرى للدين المصرى بأكمله فهو دين آخروى بالدرجة الأولى".

 ولفت الباحث الى "انه فى الفصل الرابع جرى بحث  الطقوس والشعائر القديمة ، مشيرا الى انه قسمها إلى طقوس يومية وطقوس مناسبات وطقوس دورية (أعياد) وطقوس سرية تناول بعضا منها خصوصا تلك الطقوس المرتبطة بالعلوم السرية كالسحر والعرافة والتنجيم وتفسير الأحلام.  أما الفصل الأخير فقد تناول الأخلاق والشرائع التى رأينا أن جوهرها الدينى يكمن فى مفهوم القيم والمثل العليا والمعتقدات الفكرية والفلسفية.

ويبقى الدكتور خزعل الماجدي نبع المعرفة العراقية المتفتحة وينبوعها الأصيل ، وهو يغترف من مخزونها الفكري والتاريخي والتراثي ، ما يشكل (مفاجآت مدوية) و(كشفا مبينا) في مجالات تثوير العلوم وابتكار النظريات، غير آبه للمنظرين في شؤون الأديان  والكتب السماوية، وآخرين ممن يكيلون له الحسد والغيرة والبغضاء، ، من خلال  ما يوجهون له من انتقادات تكون حادة بل وجارحة أحيانا وفي أخرى ربما يدخلونه في مجال (الكفروالإلحاد) ، وهو الرجل الذي الذي لم يلغ الدين او يسفهه كما يقال، ولكنه كباحث علمي يؤكد أنه لايركن الى الغيبيات والأمور الروحية والمعنوية في تسجيل حركة التاريخ وتأشير معالم أية حضارة او تمدن ، وهو يؤكد أن كل حضارة هي بنت زمنها ولن تعود مجددا، فالحضارة الرومانية لن تعود وكذلك الفارسية أو الهندية أو الصينية أو الحضارة الاسلامية، برغم ما شكلته من فتح مبين في العصور الحضارة، وما ارسته من معالم حضارية يقر بها ويتفاخر بقيمتها وأثرها الكبير ، وبخاصة حضارة العرب في الأندلس ، الا ان الحضارات لن تعود مرة اخرى، وإن معالم أية حضارة أو مصادر قوتها وانطلاقتها من وجهة نظره، هي المثل المادي الحي الذي بمقدور الانسان أن يلامسه عن قرب، أما الحديث عن الحضارات الاخرى فهو يدخل من باب التاريخ ليس إلا!!