تركيا والورقة الكوردية

قد لا يختلف اثنان على أن تركيا هي الدولة الأكثر استفادة من الورقة الكوردية في المنطقة، وإذا اختلف معنا أحد حول هذا الاستنتاج فإنه لن يختلف معنا حول نظرية أن حزب العدالة والتنمية هو أكثر الأحزاب التي استفادت من الكورد، طبعاً في تركيا وحتى في الأجزاء الأخرى.

استطاع حزب العدالة والتنمية الركون على جمهوره الواسع البسيط في كوردستان تركيا، ومن خلال بضعة كلمات منمقة استطاع التغلب على الأحزاب التركية الأخرى في أكثر من دورة انتخابية، وحتى أنه، أي حزب العدالة والتنمية، يزاحم الأحزاب الكوردية مثل حزب الشعوب الديمقراطي في عقر داره!

هل يعود الأمر إلى بساطة الكورد؟ أم فقدان أي خيار آخر لديهم في ظل تعقيدات المشهد الحزبي في تركيا؟ أو أن الكورد في طيلة حياتهم السياسية لم يسمعوا كلاماً منمقًا مثلما سمعوا من العدالة والتنمية والذي لم يعد حزب البسطاء والدراويش ومعتنقي الطرق الصوفية بل بات حزب مثقل بالوهم القوموي والاسلاموي.

فإذا كان حزب العدالة والتنمية يطلق أحكاماً منمقة على المستوى الكوردي في كوردستان تركيا لأن الكورد هناك على صلة مباشرة بميزان القوى الانتخابية فإنه في باقي الأطراف الكوردية وفي أجزاء أخرى كانت مقاربته للمشهد الكوردي دائما تتجلى بالابتزاز وأحياناً كثيرة بالتهديد!

في محطتين تاريخيتين لم يقبل الأتراك ومنهم العدالة والتنمية تطوير المشهد الكوردي الإيجابي، وهم وربما بسبب الكورد منعوا قوات التحالف من استخدام أراضي تركيا في حرب التحالف ضد صدام حسين، ولم يسكتوا يوماً إلا أن وجهت لهم أمريكا وعلى لسان سفيرها ذاك الوقت: "لم تعد كوردستان حديقتكم الخلفية". الأمر الذي دفعهم للسكوت وقبول الواقع الكوردي واضطرارهم للتواصل مع الواقع الناشئ والمزدهر في كوردستان العراق؛ وما إن أراد كورد العراق تعزيز مكاسبهم السياسية من خلال إجراء الاستفتاء حتى أقام الأتراك الدنيا ولم يقعدوها.

والمحطة الثانية: منذ انطلاق الثورة السورية فإن الأتراك دائماً كانوا في وجه الكورد بالمرصاد، حتى إنهم لم يقبلوا رئاسة الراحل حميد حج درويش لرئاسة جلسة في مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية؛ وهم أي الأتراك، وعندما نقول الأتراك يعني نقصد الحكومة، أسسوا أطارا سياسيا للتركمان وفرضوا الإخوان المسلمين ليكونوا مهيمنين على مشهد المعارضة؛ ولم يقفوا، وأمتد الأمر معهم إلى مستوى غزو الأراضي الكوردية واحتلال ثلاث مناطق من كوردستان سوريا: عفرين، وسري كانيه، وتل أبيض.

ولعل قوة الترك لا تكمن في مئات الكيلو مترات من حدودهم مع الكورد بل في اعتمادهم على القوة الدولية والتي يضطر الكورد أحيانا على الاعتماد على نفس القوى فضلاً عن مجاورتهم لثلاث كوردستانات.

بقي القول، إنّ الكورد أمام معضلة وهي تتمحور حول العلاقة مع الأحزاب التركية أم مع الحكومات المتعاقبة، والعقل الموضوعي يرى بأنه من الأهمية بمكان أن تكون علاقات الكورد مفتوحة مع كل الأطراف الفاعلة في تركيا، وليس مع الحاكم، وربما هذا الخيار هو أحد أدوات اللعبة في تغيير موازين القوى في الموقف السياسي!

وبكلمتين "لا تضع كل البيوض في سلة واحدة"!