إدلب… حان وقت الاختيارات الصعبة واحتمالات الصدام

إدلب هي الآن عقدة الصراع على سوريا؛ ففيها تلتقي أطراف وتتصادم أخرى، ومنها يبدأ مفترق الطرق؛ إما إلى التسوية السياسية والسلام، وإما إلى الصدام واتساع رقعة الصراع. وقد وصل الصراع في إدلب إلى مرحلة حاسمة، بعد تقدم القوات السورية إلى مواقع تبعد عن عاصمة المحافظة بنحو 15 كيلومترا تقريبا.
إدلب العاصمة يسكنها أكثر من مليون شخص، وتسيطر عليها عسكريا قوات مناوئة للحكومة السورية، مدعومة من تركيا، أهمها جبهة تحرير الشام، أحد فروع تنظيم «القاعدة» سابقا، والجبهة الوطنية للتحرير، التي تضم قوى سياسية وعسكرية موالية لتركيا.
هذا الوضع الجيوعسكري والسياسي لمدينة إدلب، يجعل التفكير في اقتحامها مسؤولية كبرى، حيث تعلم سوريا أن اقتحام المدينة لن يكون بالمهمة السهلة، نظرا لأن تركيا تعتبرها «خطا أحمر» لن تسمح بتجاوزه، كما أن التنظيمات الجهادية أعلنت عزمها على أن تجعل إدلب «مقبرة للغزاة»، على حد تعبير واحد من قيادات هيئة تحرير الشام.
وعلى الرغم من أن روسيا لا تريد أن تخسر ثقلها السياسي في سوريا، كفاعل ووسيط في آن، فإن جولات المباحثات الأخيرة مع تركيا، منذ نوفمبر الماضي حتى الآن، أظهرت أن موسكو فشلت في تضييق هوة الخلاف مع أنقرة بشأن كيفية مواجهة زيادة التصعيد في إدلب. موسكو تتهم أنقرة بعدم تنفيذ التزاماتها بالقضاء على العناصر والجماعات الإرهابية في إدلب، ومنعها من شن هجمات على القوات الروسية والسورية، وانتهاك وقف إطلاق النار. وفي المقابل فإن أنقرة توجه اتهامات إلى موسكو بعدم وقف الهجمات التي تقوم بها القوات الحكومية السورية، التي تسببت في مقتل جنود أتراك، وفي نزوح أكثر من 870 ألف شخص، معظمهم لجأ إلى الحدود السورية – التركية.
من الناحية العسكرية، تخضع محافظة إدلب وأجزاء من محافظتي حلب وحماة لسيطرة قوات الجيش العربي السوري، وقوات جماعات مسلحة غير نظامية تتمتع بدعم من تركيا، إضافة إلى وجود عسكري لكل من إيران وروسيا. وقد اتفقت كل من روسيا وتركيا وإيران في سبتمبر 2018 على إقامة منطقة لتخفيض التصعيد العسكري في إدلب، على أن تتولى قوات من البلدان الثلاثة القيام بمهام الشرطة العسكرية ومراقبة خفض التصعيد. وتم تقسيم المنطقة إلى ثلاث مناطق فرعية، أخطرها تلك التي تقع في الشمال الغربي، وتتولي مسؤولية إدارتها القوات التركية. وطبقا لاتفاق سوتشي أقامت تركيا 12 نقطة مراقبة عسكرية، تتولى مسؤوليات خفض التصعيد، وإقرار حالة من الهدوء بين الأطراف المختلفة، والسماح للمدنيين بالتنقل، وكذلك بوصول المساعدات الإنسانية إليهم.
ويقوم اتفاق سوتشي في جوهره على احترام السيادة السورية، وضمان وحدة وسلامة أراضيها، وتحقيق الاستقرار فيها، لكن الأحداث على الأرض منذ صيف العام الحالي، سجلت العديد من الاشتباكات بين القوات التركية، وكل من القوات الحكومية السورية، وقوات وحدات حماية الشعب الكوردية، على طول الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا من مناطق شرق الفرات إلى إدلب. وقد تدخلت روسيا للحد من هذه الاشتباكات ولعبت دورا عسكريا – دبلوماسيا، نجح في إعلان هدنة بين القوات التركية وقوات حماية الشعب الكردية أكثر من مرة، خصوصا في مناطق شرق الفرات ومنبج، ووضع ترتيبات لتسيير دوريات روسية – تركية مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار في مدينتي عين العرب – كوباني والدرباسية على الحدود. لكن توتر الوضع في إدلب في الأسابيع الأخيرة أدى إلى توقف هذه الدوريات مؤقتا.
وفي إدلب وحماة وحلب، استطاعت القوات النظامية السورية، تغيير الحقائق على الأرض، خلال الفترة من أغسطس الماضي حتى الآن، بالتقدم في مدن وبلدات وقرى كانت قد خسرتها منذ سنوات. وطبقا للبيانات السورية فإن المساحات التي تقدمت فيها القوات السورية تصل إلى 600 كم مربع، وهي تشمل مدنا مهمة استراتيجيا مثل، سراقب ومعرة النعمان وخان شيخون، إضافة إلي أجزاء من الطريقين (إم – 4) و(إم – 5) والمفصل الذي يصل شمال سوريا بالعاصمة دمشق وبميناء اللاذقية أهم الموانئ السورية. وقد راجت بين مقاتلي الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في إدلب نظرية مفادها أن تقدم القوات السورية في الأشهر الأخير، يأتي في إطار تفاهم روسي – تركي. وانطلاقا من ذلك فقد شنت هذه الجماعات هجمات، بقصد إفساد هذا التفاهم، ضد مواقع تمركز القوات الروسية، بما في ذلك هجمات بالمدفعية والطائرات المسيرة عن بعد، ضد قاعدة حميميم الجوية، التي تديرها روسيا منذ عام 2017. وقد أثارت هذه الهجمات غضب موسكو، التي طلبت من تركيا ضبط النشاط العسكري للجماعات المسلحة في إدلب، كما طلبت منها أيضا ضرورة القضاء على الجماعات والعناصر الإرهابية، التي ما تزال تعمل تحت سمع وبصر نقاط المراقبة العسكرية التركية هناك.
ومع تصاعد المواجهات في إدلب، شنت القاذفات الروسية هجمات واسعة النطاق على مواقع الجماعات المسلحة. ولعب القصف الجوي الروسي دورا مهما في تمهيد الأرض أمام القوات الحكومية السورية، للتقدم واحتلال مواقع متقدمة على حساب كل من القوات التركية والجماعات المسلحة، ووصل التصعيد إلى اشتباكات مباشرة بين القوات السورية والقوات التركية. وعندما استطاعت القوات السورية التقدم إلى مناطق كانت تخضع لترتيبات مراقبة خفض التصعيد، فإن تركيا ردت منذ بداية شهر فبراير الحالي، بإرسال إمدادات كبيرة تشمل حوالي 5000 جندي و1240 دبابة، حسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأعلن الرئيس التركي رجب إردوغان، انه لن يتسامح مع القوات السورية، إذا اصيب جندي تركي واحد، وذلك بعد مقتل 12 جنديا، ومدنيا واحدا في عمليتين منفصلتين. وشنت القوات التركية بالفعل عمليات عسكرية ضد بعض تمركزات القوات السورية، أدت إلى مقتل أعداد قدرتها تركيا بنحو 76 جنديا، وقدرها المرصد السوري بنحو 13 جنديا سوريا فقط.

ووجهت تركيا إنذارا بضرورة انسحاب القوات السورية في إدلب، إلى ما وراء خطوط نقاط المراقبة العسكرية التركية، وهددت بأن ذلك يجب أن يتم قبل حلول نهاية شهر فبراير الحالي، وإلا فإنها ستتولى مسؤولية إبعادها. هذا الإنذار يعني احتمالين، الأول أن مخاطر التصعيد في الأيام المقبلة سترتفع، وربما تصل إلى مواجهات عنيفة بين القوات التركية والقوات السورية. خطورة هذه المواجهات قد تؤدي إلى جر كل من القوات الكردية والقوات الروسية إلى القتال، ومن المرجح أيضا أن تنجر إليه الجماعات الموالية لإيران، حيث تدير إيران الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة خفض التصعيد في إدلب.
الاحتمال الثاني الذي ينطوي عليه الإنذار التركي، هو ضرورة بقاء الباب مفتوحا أمام الدبلوماسية الروسية، رغم الإخفاقات الأخيرة، واستمرار السعي إلى تحقيق تسوية سريعة، تجهض احتمالات التصعيد وتدهور الموقف. وتواجه الدبلوماسية الروسية في سوريا في الوقت الحالي أزمة حادة بسبب عدم الثقة بين موسكو وأنقرة، وتبادل الاتهامات بين الدولتين بشأن مسؤولية كل منهما عن المحافظة على الاستقرار ووقف التصعيد في إدلب. ومن أجل تعزيز موقفها الدبلوماسي في مواجهة روسيا، فإن تركيا تسعى لإقناع الولايات المتحدة بالعودة إلى ممارسة دور نشيط في سوريا، وإظهار تأييدها لتركيا. وتحاول تركيا ذلك من خلال الدعوة إلى إنشاء منطقة آمنة على الحدود التركية – السورية تشمل حظرا للطيران، بما يحرم الطيران الروسي من مزايا التحليق والقصف، وفتح المزيد من الطرق لعمليات الإغاثة الإنسانية بواسطة الأمم المتحدة، ومطالبة المجتمع الدولي بالمشاركة في تمويل خطة للإعمار على الحدود بين تركيا وسوريا لاستيعاب مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين السوريين. لكن هذا المسعى التركي يصطدم برغبة أمريكية بعدم التورط في الحرب السورية والانسحاب تماما، لكن مع ضمان المصالح النفطية للشركات الأمريكية، كما يصطدم أيضا برفض روسي – صيني في مجلس الأمن الدولي، لتوسيع نقاط عبور مواد وأفراد الإغاثة الإنسانية عبر تركيا إلى سوريا وزيادة عددها. الرفض الروسي – الصيني يقوم على أساس أن الجماعات الإرهابية في إدلب تستفيد اقتصاديا ولوجستيا من جزء مهم من عمليات الإغاثة.
وبين احتمالات الصدام، واختيارات التسوية والسلام تعيش إدلب على عتبات مأساة كبرى، لن تستطيع تجنبها إلا اذا نجحت الدبلوماسية الروسية في التوصل إلى تسوية مع تركيا. وقد تأتي هذه التسوية على أساس صيغة تضمن لكل من سوريا بعض المكاسب التي حققتها، وتضمن لتركيا بعض المطالب التي تنادي بها. على سبيل المثال قد تلوح في الأفق قبل نهاية الشهر الحالي فرصة تمنح سوريا حقوق التحكم في الطريقين الرئيسيين المتجهين من حلب إلى كل من دمشق واللاذقية، كما تمنح تركيا انسحابا للقوات السورية من بعض أو كل المواقع التي تجاوزتها أمام نقاط المراقبة العسكرية التركية في إدلب.