حول لقاء فيدان – مملوك في موسكو ومصير ثلاثي أستانة

لا يمكن تحميل اجتماع موسكو بين رئيس مكتب الأمن القومي الأسدي علي مملوك ورئيس جهاز الاستخبارات القومي التركي هاكان فيدان دلالات تشير إلى بداية تطبيع علاقات محتملة بين تركيا والنظام الكيماوي. ليس لأن هذا التطبيع غير وارد لأسباب مبدئية، بل لأن شروطه غير متوفرة، ولا يبدو أنها يمكن أن تتوفر في المدى المنظور. فلا الحرب قاربت على نهايتها، ولا مسار سياسياً يمكن التعويل عليه بما يسمح بعودة ملايين السوريين الموجودين في تركيا ثمن الحد الأدنى لانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.

مع ذلك، استطاع لقاء رجلي الاستخبارات المذكورين أن يستقطب اهتمام الإعلام بوصفه "أول لقاء معلن على هذا المستوى" بين الخصمين اللدودين. فقبله لم تتوقف اللقاءات على مستوى أجهزة الاستخبارات "كلما اقتضت الحاجة" حسب تعبير المسؤولين الأتراك. وهي لقاءات "فنية" إذا جاز التعبير، وليست سياسية، لا بد أن تجري بين الخصوم في حالات الصراع. أما بالنسبة لمملوك وفيدان، فلا نعرف ما إذا كانت لقاءات أخرى تمت بينهما ولم يعلن عنها. وهذا غير مهم، على أي حال، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللقاء المعلن هدفه إعلامي أكثر من ضرورته الفنية أو السياسية، بالنظر إلى أن الطرفين يقفان، في الصراع الدائر، على خندقين متقابلين، لا يجمعهما إلا علاقتاهما مع روسيا التي تبدو هي المستفيد الوحيد، إعلامياً، من هذا الاجتماع.

غير أن ثمة تطابق في موقفي النظام وتركيا في نقطة واحدة هي الموقف من "وحدات حماية الشعب" أو "قوات سوريا الديموقراطية" التي تحاربها تركيا، ويهددها النظام الكيماوي من غير امتلاك القدرة على تحويل تهديداته إلى حرب. وإذا تركنا جانباً تصريحات الجانب الأسدي حول فحوى الاجتماع، أي أن مملوك طلب من محاوره التركي أن تنسحب القوات التركية من الأراضي السورية، يبقى أن الأرضية التي يمكن أن يتفقا عليها هي اتفاق أضنة الذي لا تكف موسكو عن التذكير بوجوب إعادة العمل به، ولم يتنصل منه نظام دمشق، وقد ترغب أنقرة في إعادة النظر بنصه بما يتسق مع الأوضاع المستجدة.

واتفاق أضنة، كما نعرف، موضوعه هو مكافحة حزب العمال الكوردستاني، أي تنظيم العلاقات الأمنية والحدودية بين الدولتين بما يستجيب للهواجس الأمنية التركية. أما في الشروط القائمة اليوم، فلا قدرة لدى النظام الكيماوي على ضبط الحدود المشتركة بما يلبي الهواجس المذكورة، الأمر الذي تولته القوات التركية بنفسها – مع الفصائل التابعة لها – في مناطق عفرين و"درع الفرات" و"نبع السلام"، في حين قضى الاتفاق الروسي – التركي بتولي الإمساك بأمن الحدود شرق منطقة "نبع السلام" وغربها من قبل روسيا والنظام. لكن عدم كفاية القوات الروسية والأسدية في تلك المناطق التي انسحب منها الأميركيون وقوات "قسد"، يتطلب تنسيقاً أمنياً بين النظام وتركيا، لعله كان أحد البنود "الفنية" في اجتماع موسكو. وعلى العموم، يمكن القول إن كلاً من النظام وتركيا لهما مصلحة مشتركة في تحجيم قوات "قسد"، ولا مانع لدى تركيا من أن تتولى قوات النظام هذه المهمة. فقد سبق للرئيس التركي أن عبر عن ذلك بخصوص وضع منبج، فقال إن "الأرض أرضهم" (يقصد النظام).

ما يبدو توافقاً بين النظام وتركيا ضد الخصم المشترك "قوات سوريا الديموقراطية" المتحالفة مع ما تبقى من القوات الأميركية، سيتحول إلى تناحر صريح في منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب وجوارها. فوقف إطلاق النار الذي أعلن عنه بوتين وأردوغان، على أن يبدأ في 12 من الشهر الجاري هناك، سرعان ما انهار بسبب اشتداد القصف الروسي – الأسدي على مختلف مدن وبلدات تلك المناطق، وأدى إلى أعداد كبيرة من القتلى بين المدنيين وموجات نزوح جديدة باتجاه الحدود التركية المغلقة في وجه الفارين.

وهدد الرئيس التركي بتولي مواجهة الهجوم العنيف بصورة مباشرة، بعد أيام قليلة على لقاء مملوك – فيدان. بل إن الفصائل المدعومة من تركيا تلقت دعماً بالأسلحة، وفقاً لتقارير صحفية، أتاح لها مواجهة قوات النظام وتكبيدها خسائر كبيرة. وآخر الأخبار، بهذا الخصوص، تتحدث عن اجتماع عقده هاكان فيدان مع قادة الفصائل السورية التابعة لأنقرة في إطار سياسة المواجهة العسكرية مع النظام وروسيا في منطقة خفض التصعيد. الأمر الذي يشير إلى أن روسيا وتركيا ليستا على الموجة نفسها بخصوص إدلب على الأقل. من المحتمل أن الخلاف التركي – الروسي هذا يمتد إلى ليبيا أيضاً حيث لم يستجب الجنرال خليفة حفتر لنداء أردوغان – بوتين، ولا لمخرجات مؤتمر برلين بشأن وقف إطلاق النار.

فإذا أضفنا حالة الجمود التي أصابت اجتماعات "اللجنة الدستورية" في جنيف أمكننا القول أن التنسيق التركي – الروسي في سوريا هو في أسوأ حالاته، بخلاف المظاهر. في حين ابتعدت إيران عن الصورة تماماً بعد اغتيال الأميركيين لقاسم سليماني، وهي الآن مشغولة أكثر بمواجهة تحديات الساحة العراقية أكثر من اهتمامها بالصراع في سوريا أو مسار أستانا.

هل معنى مجموع هذه المعطيات هو أن مسار أستانة الثلاثي في طريقه إلى الزوال، لتحل محله التناقضات بين أقطابه، أي بين تركيا وروسيا من جهة أولى، وبين إيران وروسيا من جهة ثانية؟

لن أتسرع بالتبشير بهذا المآل، فحتى تأخذ التناقضات البينية المذكورة مداها وينهار مسار أستانة، لا بد من وجود جهة أخرى مستعدة لقطف هذه الثمرة الناضجة، أي الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءَها الغربيين. وهو ما لا يمكن المراهنة عليه بالنظر إلى غياب استراتيجية فاعلة لدى الأميركيين في الصراع السوري، إضافة إلى وضع الرئيس ترمب الذي تبحث واشنطن مصيره، والسنة هي سنة انتخابات رئاسية.