ليس للنازح إلا بيته...

أمران يشيان بحال النازح، الأول: ذاكرته، والثاني: مأواه. في الأول، مهما اكتسب في مكان نزوحه من مكاسب وخيرات ولحظات فرح فإنها لا تعادل شيء أمام ذكراه، وفي الأمر الثاني مهما جنى من مكان استقراره الأخير، فإن ذلك لا يثنيه عن التنازل من مأواه الذي عاش فيه، وخطط لنفسه مستقبلاً واعداً.

والحق أنّ الأمر الثاني هو وعاء للأمر الأول، فإذا كان الأمر الأول له دلالة الانتماء، فإنّ الانتماء أولاً وأخيرا يكون للمكان، وما المكان الذي يترك أثر في النفوس غير المكان الذي ترعرع فيه وبني أسس وعيه ومعرفته لنفسه ولمحيطه.

ومن باب التأكيد فإن نشأة الوعي الأولى تبدأ من الموطن الأول، ومن هذا الموطن يبنى الوعي، وتتأسس الذاكرة أيضاً.

استطرادًا، فإن النازح، مهما طال زمن بقائه خارج المكان الذي ولد فيه فإنّ الهم الأول له هو كيفية العودة إلى مكانه الأساسي.

النازح هنا ودائماً يختلف عن اللاجئ، وبغض النظر عن فهمنا اصطلاحياً لمعنين على أنهما مختلفان، فإنّ بعديهما مختلفان. النازح هو الذي ينزح من مكانه نتيجة حرب أو كارثة ما؛ وهذا الأمر ينطبق على اللاجئ أيضاً إلى حد بعيد. لكن ما يفرّق النازح عن اللاجئ هو البقاء ضمن حدود بلاده. النازح ينزح من مكانه ويستقر في مكان آخر ضمن بلاده في حين اللاجئ يلجئ الى بلاد أخرى.

وهناك فرق آخر أنّ اللاجئ يحصل على امتيازات معينة من الوطن البديل في وقت يفتقر النازح عادة إلى الامتياز نفسه.

بيد أنّ حق العودة للأثنين متاح، وهو حق لا يمكن أن تعترض عليه أي سلطة أو دولة اذا توفرت شروط العودة.

وشروط العودة هنا تتبلور بالعودة الطوعية وشرط الأمان يجب أن يكون متوفراً أيضاً.

في حالتنا الكُرديّة، فإن المهمّة الأولى للقوى والفعاليات السياسية والمدنية هو العمل على إعادة النازحين، ولا نقول اللاجئين لأن الأمر هنا يطول، ويحتاج إلى عمل على أكثر من صعيد.

لدينا ثلاث مدن أساسية نزح الناس منها، ولا يستطيع أهلها العودة لأن شرط الأمان غير متوفر، وفوق ذلك أن القوى المحتلة لمدننا الثلاثة تضع العقبات، من خلال ترهيب من يعود إما بالاعتقال أو الابتزاز أو اتهامهم بارتباطهم لتنظيم سياسي معين.

عند الهجوم التركي واحتلال عفرين اضطر الناس للنزوح وذلك خوفاً من البطش وعنف العناصر الذين ما إن دخلوا إلى عفرين حتى هددوا الناس، وقاموا بالاعتقال والقتل والاختطاف وفرض شروط جديدة للحياة قاسية وصعبة. في سري كانيه وكري سبي مورست نفس الأساليب.

ولا نستغرب أنّ النازح الكوردي في حيرة من أمره، فمن جهة بقاؤه في دياره يعرض أملاكه إلى خطر؛ ومن جهة ثانية عودته مكلفة في ظل فقدان التطمينات. وبين الأمرين فإن السلطات الغاصبة لا ترغب بعودة النازح أصلاً، وما لبثت تغير هذه السلطات ملامح المدن وتحدث التغيير في الهندسة الديمغرافية.

والحال، إنّ هناك أمران على الأقل يتحكمان بحال النازح وأحوالهم، الأمر الأول له علاقة بمصلحته، حيث خسارة منزله وتاليّاً ملكية عقاراته، والثاني له علاقة بالمصلحة الوطنية يعني عدم عودته يسهّل في حدوث التغيير الديمغرافي؛ وبين الأمرين نجد النازح أمام استحقاق التضحية أو المجازفة، ولعل سبب قولنا للمجازفة لأن لا طرف سياسي فعلياً يرعى مسار العودة ولا يوجد رعاية دولية ولا أممية بذلك، أسفاً.

بقي القول، إن القوى السياسية الكوردية أمام استحقاق وطني، وأخلاقي، وطني هو العمل للحؤول دون حدوث التغيير الديمغرافي، وأخلاقي هو ضمان حق النازح في العودة إلى موطنه والحفاظ على ملكيته، والسؤال هو، هل تضع القوى الكرديّة السياسية عودة النازحين من ضمن أولوياتها النضالية؟!

والمقال بكلمتين:

"قد لا نملك خياراً غير المجازفة!".