هل يمكن ان يعيش العراق بمعزل عن محيطه الدولي؟

 منذ فجر التاريخ كان العراق مسرحا لصراعات القوى العظمى في العالم والتي كانت تتناوب في السيطرة عليه . والطرف الثابت في هذا الصراع على مر التاريخ كان الطرف الايراني , فايران صارعت كل الامبراطوريات القديمة على ارض العراق , واخرها كان صراعها مع الدولة العثمانية ( الصراع الصفوي العثماني) . لذلك فليس من الغريب وجود تنافس ايراني امريكي على هذه الدولة في الوقت الحالي , لكن هناك نقطة  يجب توضيحها بهذا الصدد وهي : -

ما تطمح اليه ايران في هذه الحقبة تحقيقه في العراق هو سيطرة اقتصادية وسياسية مباشرة خدمة لطموحها العقائدي في المنطقة . اي ان ايران تتحرك بالضد من المفاهيم الحديثة لبسط النفوذ , خاصة في الجانب العقائدي . فكون ان ايران تتبنى وجهة نظر عقائدية تريد تصديرها في المنطقة  من خلال جعل العراق قاعدة لما يليه , والوصول الى الهدف الاسمى وهو سيطرة عقائدية كاملة على كل دول المنطقة , فان هذه رؤية معقدة ومتشابكة , تقف بالضد من المفاهيم الحديثة لبسط النفوذ , تجعل من فكرة السيطرة الايرانية على العراق فكرة ( صعبة الهضم ) على اغلب المكونات العراقية . اضف الى ذلك ان النموذج الايراني الحالي من الناحية الثقافية ليس بالنموذج المشرق والامثل في العالم كي يحتذى به الشارع العراقي . في الجانب الاخر فان الوجود الامريكي في العراق لا يمس الجانب العقائدي لاي مكون عراقي , كذلك فان البعد الجغرافي  مع امريكا لا يسمح بهيمنة امريكية مباشرة على العراق كما هو الحال بالنسبة للطموح الايراني , اضف الى ذلك تبني امريكا لثقافة هي اقرب للشارع العراقي مما هو عليه الحال مع ايران , والافق التي يمكن للعراق الاستفادة منها في اي تقارب مع امريكا من الجانبين الاقتصادي والثقافي والعلمي , يجعل من تقبل الشارع العراقي للتواجد الامريكي اسهل هضما من التواجد الايراني عسير الهضم .

يمكن تعريف اي تواصل امريكي عراقي بانه تفاهم او تقارب بينهما , بينما اي تقارب من ايران لن يكون له تسمية اخرى غير هيمنة ايرانية كاملة على العراق , على ذلك فان اي استفتاء شعبي على الوجود الايراني والامريكي في العراق سيكون لصالح الوجود الامريكي وبالضد من الوجود الايراني حتى عند المكون الشيعي العراقي ذاته .

ان المطالبة بخروج القوات الاجنبية  تعني بشكل او باخر اخراج الامريكان فقط , بالمقابل افساح المجال امام النفوذ الايراني للتوسع من جديد في العراق خاصة وان المكون السياسي المسيطر على العملية السياسية العراقية هي الاطراف المرتبطة بشكل او باخر بايران , والتي ستفتح الباب على مصراعيه للنفوذ الايراني بمجرد زوال العامل الامريكي من العراق . لذلك فان الوجود الامريكي هو اخف الضررين في خضم المعادلات السياسية الموجودة حاليا , توازن الوجود الايراني التلقائي في العراق . وان ارادت الاطراف السياسية بالفعل ابعاد العراق عن اي صراعات دولية واقليمية فعليها بدلا من التفكير في كيفية اخراج القوات الامريكية في العراق العمل وفق النقاط التالية : -

- الابقاء على القواعد الامريكية في العراق طالما ان هناك تاثير ايراني متمثل بوجود مليشيات مقربة من ايران .

- بدلا من الدعوة الى اخراج القوات الامريكية  , ينبغي التفكير في كيفية ترسيخ التوازن بين النفوذين الايراني والامريكي في العراق ومحاولة استثمار الصراع بين الطرفين بما يصب في الصالح العراقي العام من خلال التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية .

-يستطيع العراق تمثيل ذات الدور الذي يقوم به دول اخرى في المنطقة ونجاحها في ابعاد نفسها عن كل الصراعات في المنطقة والتحول الى ملتقى لمصالح تلك الدول خاصة وان المكونات العراقية مشتتة بين الاطراف هذه من الممكن استثمار هذا التشتت لهذا الهدف ان نظم وفق اهداف وطنية .