التواجد الامريكي في العراق ماله وما عليه

 

 

ان الوجود الامريكي في العراق جاء لحدثين مفصليين في التاريخ العراقي الحديث , الاول كان ازاحة نظام صدام حسين عام 2003 , والثاني اتى بعد احتلال داعش لثلث مساحة العراق مما دعت الحكومة العراقية للاتسنجاد بقوات التحالف الدولي التي تتراسها امريكا للمساعدة في تحرير اراضيه , وفي الحالتين كان للاطراف السياسية الموجودة في الحكم اليوم دورا بارزا في استدعاء الجيش الامريكي وفتح الابواب لها على مصراعيها عززه سكوت مطبق من المراجع الدينية والتي لم تمانع في دخول تلك القوات وامتنعت عن مقاتلتها . ويظهر ان الاطراف السياسية في العراق ومراجعه يرون في الجيش الامريكي مرتزقة لهم يلجأون اليها متى ما دعت حاجتهم الى ذلك .

في المناسبة الاولى خرجت القوات الامريكية من العراق ضمن اتفاقية الاطار الستراتيجي المشترك التي وقعت بين الطرفين عام 2006 ما دعى الى انسحاب القوات الامريكية سنة 2011 , ثم ما لبث ان احتل داعش ثلث الاراضي العراقية عام 2014 لتستدعي الحكومة العراقية القوات الامريكية من جديد لمساعدتها في حربها على داعش والانتصار عليه .

 

من المعروف ان لامريكا قواعد عديدة منتشرة حول العالم اما على شكل قواعد امريكية خالصة , او عن طريق قواعد مشتركة بين القوات الامريكية وقوات الدولة المعنية , تكون وفق اتفاقات مشتركة بين الطرفين لا تكون مقتصرة على النواحي الامنية والعسكرية فقط وانما حتى على النواحي السياسية والاقتصادية ايضا .

لماذا التواجد الامريكي في العراق؟

جغرافية تواجد القواعد الامريكية في العالم تكون احيانا وفق التوازنات الدولية للقوى العظمى ومناطق النفوذ التي تضبط تلك التوازنات , واحيانا اخرى تكون وفق مستوجبات المحافظة على مصالحها في بؤر التوترات في العالم وفي الاغلب تكون هذه المصالح اقتصادية , على هذا الاساس ستواجهنا الاسئلة التالية ... ما اسباب التواجد الامريكي في العراق وضمن اي سياق هو , وما هي المصالح المتبادلة بين الطرفين , ولماذا تصر بعض الاطراف العراقية على خروج تلك القوات ؟

الوجود الامريكي في العراق كان لمصالح متبادلة بين الطرفين سواء في الالفين وثلاثة او في الالفين واربع عشر , رغم ان سقف المصالح العراقية لا يمكن مقارنتها بالمصالح الامريكية من حيث تباين حجم التاثير السياسي للطرفين على الصعيد الدولي , فالمصالح العراقية انحصرت في اسباب سياسية وامنية مؤقتة سواء ازاحة صدام حسين او تحرير الاراضي العراقية من الاحتلال الداعشي , بينما تجاوزت المصلحة الامريكية السقف السياسي والامني ليصل الى اسباب اقتصادية متعلقة بالثروة النفطية العراقية , وكذلك التوازنات الاقليمية والدولية المتعلقة بنفوذ ومصالح امريكا في المنطقة وحماية امن حلفائها  .

الخطا الذي ارتكبته  ادارة اوباما هو انها ركزت على الحفاظ على مصالح امريكا في النفط العراقي , هاملة الجانب السياسي والامني وتطوراته كتبعات لمغادرة القوات الامريكية من العراق فاستغلت ايران هذا الفراغ واستطاعت من خلال حلفائها في العراق ملئه بنفوذ امني وسياسي سيطرت من خلاله على العملية السياسية بشكل كامل في العراق , ومن خلال هذا النفوذ اكملت رسم الهلال الشيعي بين ايران وسوريا ولبنان من خلال العراق . وشهدنا تداعيات هذا الانسحاب الامريكي والتمدد الايراني محله فيما حصل بعد الثورة السورية من تغيرات سياسية وامنية في المنطقة , وما مثله تمدد النفوذ الايراني من تهديد مباشر على حلفاء واشنطن في المنطقة ... اعتمادا على التطورات هذه فان ادارة ترامب التي رفضت الانسحاب الكلي من سوريا , لن تكرر تجربة الانسحاب من العراق مرة اخرى , وهذا ما يفسر الاصرار الامريكي لرفض الحديث عن اي انسحاب امريكي من العراق على الاقل في الوقت الحالي .

اضافة الى الاسباب السابقة فان بروز الدور الروسي في المنطقة ونجاح تجربته في سوريا امنيا وعسكريا وسياسيا , يجعل من العامل الروسي هو الرهان الافضل امام اي تهديد امني للحكومة العراقية مستقبلا اذا ما انسحبت القوات الامريكية هذه المرة  , لذلك فمن الصعب بما كان على امريكا ان تترك العراق لاي نفوذ روسي مستقبلي .

وهناك عامل اقتصادي دولي مهم لا ينتبه اليه الساسة العراقيين الداعين للانسحاب الامريكي وهو خطوط الطاقة في المنطقة . فمغادرة امريكا للعراق سيقلل من الضغوط الامريكية على روسيا في موضوع خطوط الطاقة التي تمكنت روسيا من مدها عبر تركيا وبحر قزوين الى اوروبا , ويقضي على مخططاتها في مد خطوط طاقة لدول منتجة في المنطقة من خلال العراق وسوريا الى اوروبا , لذلك فبقاء النفوذ الامريكي في العراق وسوريا هو خيار امريكي ستراتيجي ستدافع عنها بكل السبل .

اما الاطراف العراقية الداعية لانهاء التواجد الامريكي فهي تحاول تحشيد الشارع العراقي ضد هذا التواجد بمبررات غاية في البعد عن المنطق السياسي واقرب ما تكون للسذاجة السياسية , بتخويف الشارع العراقي مما تسميه بـ ( الاحتلال الامريكي) , مع ان استعمار الدول في القرن الواحد والعشرين تجاوز شكله القديم والذي كان يحصل باحتلال عسكري مباشر للدول . فيكفي ربط اي دولة بالاقتصاد الدولي وتكبيلها بالمسار العام للسياسة الدولية لتقع الدولة المعنية في فلك الدول الكبرى دون الحاجة الى تواجد جيوش جرارة , وهذا ما حصل مع العراق في الالفين وأحد عشر , حيث حتى بعد الانسحاب الامريكي بقي التاثير الامريكي ماثلا اقتصاديا وسياسيا بشكل عام . اما تواجد قواعد امريكية في العراق حاليا فهي تتجاوز المصالح الامريكية في العراق لتصل الى المصالح الامريكية في المنطقة والتحديات التي تواجهها هذه المصالح , ومن بين تلك التحديات هي تطورات الملف الايراني وما تمثله من تهديد مباشر على تلك المصالح . وهذا تماما هو السبب الحقيقي من دعوة حلفاء ايران في العراق لانهاء التواجد الامريكي فيه .

من هذا المنطلق فان اصرار بعض القوى العراقية لاخراج القوات الامريكية من العراق لا يعني الشعب العراقي بقدر ما القضية مرتبطة بالمصالح الايرانية والتي تحاول الاطراف العراقية صبغها بصبغة عراقية , والا فما الضير من بقاء تلك القوات في الارض العراقية وفق اتفاق جديد او تغيير في بعض بنود الاتفاقية السابقة للحصول على قدر اكبر من السيادة العراقية فيها . وكلنا نتذكر كيف ان الشارع في المانيا خرج معترضا على قرار امريكي باخلاء قاعدة امريكية على الارض الالمانية بسبب العوائد المالية التي كانت تدر على سكان تلك المنطقة .