العراق.. الميليشيات تعصي مرجعية السيستاني

يصر عراقيون على أن المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني قد توفي، منذ سنين، مستدلين على ذلك بأن وكيليه يقولان عند تلاوتهما لخطبة الجمعة “نتلو عليكم ما وردنا من مكتب السيد علي السيستاني”، لكن هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر، إذ تبقى فحوى الخطبة معبّرة عن رأي المرجعية الشيعية، الملزم لمقلديها.

 هذا يقودنا إلى أمر مهم هو أن الماسكين بالسلطة في العراق والميليشيات الإيرانية ومن يتبعهم لا يقلدون السيد السيستاني، وإنما يتخذون من اسمه دريئة لأنفسهم وغطاءً لأعمالهم الإجرامية، فهم يعصون توجيهات المرجعية وأوامرها لكنهم يدّعون أنهم يحترمونها ويسيرون على هديها ونهجها. فكلما قالت لهم المرجعية لا ترفعوا صورة المرجع في احتفالاتكم رفعوها، وكلما منعتهم من الهتاف باسم المرجع في مسيراتهم عاندوها، وكلما حرّمت الدم العراقي أوغلوا في سفكه، والدليل أنهم يسفكون الدم العراقي، بعد كل خطبة جمعة، تؤكد فيها المرجعية حرمة الدم العراقي، وآخرها في منطقة السنك وسط بغداد، الجمعة الماضي، ويستثمرون اسم المرجعية حتى في اقتراف موبقاتهم ولا يتبعونها، وإنما يتبعون الولي الفقيه الإيراني ومندوبه في العراق قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني.

 قرأت كلاماً موضوعيا لشاعر عراقي كبير نشره على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، ونصه “أقرأ كلامًا كثيرًا حول دور المرجعية، والملاحظ أن المرجعية تنقد وتنصح وتقترح، في شؤون الحكم، ولكنها لا تقرر ولا تملي آراءها، وذلك خير لها وللشعب. فالقرار في شؤون الحكم للشعب أولاً وأخيرا، الشعب بممثليه المنتخبين انتخابًا حرّا ونزيهًا بموجب قانون انتخابي سديد وعادل ونزيه، وبإشراف مفوضية انتخابات مستقلة حقا ونزيهة تماما”.

 منذ البداية نأت المرجعية الشيعية بنفسها عن التدخل في الأمور السياسية، لكن ذلك لم يبهج من جاؤوا مع الاحتلال الأميركي للعراق، حاملين معهم الادعاء بمظلومية الشيعة العراقيين وتحريرهم من هذه المظلومية، التي استمرت 1400 سنة، فزجوا باسم المرجع السيستاني في كل عمل انتقامي اقترفوه، إلا أن هذا الادعاء لم يستمر طويلاً وثبت بطلانه؛ إذ نال الشيعة العراقيين من سياستهم الانتقامية ما نال العراقيين جميعا، وهذا يفسر لنا سرا كبيرا من أسرار انتفاضة أكتوبر العراقية المستمرة إلى الآن، والتي عجز قاسم سليماني عن قمعها، كما فعل مع التظاهرات الإيرانية، فالوعي الوطني الحاد، الذي أججته محنة الاحتلال الأميركي، ثم الإيراني للعراق، لم تحسب له إيران ولا وكلاؤها حسابا، ولهذا أيضا، نلاحظ أن الميليشيات الإيرانية والسلطة المرتبطة بإيران كلما زادتا في قمعهما للمحتجين، زاد المحتجون في الإصرار على مطالبهم ومواجهة رصاص الميليشيات عراة الصدور.

 وخلال الأزمة العراقية الراهنة، حاولت المرجعية الشيعية أن تمسك العصا من الوسط، فبدا عليها الحرج، في محاولة التوفيق بين طرفين متضادين. المحتجون يريدون منها تبني موقفهم أو التزام الحياد على الأقل. والقائمون على النظام يحاولون الزج باسمها في ما يجري واستخدامه غطاءً شرعيا في معركتهم ضد المحتجّين، لكنها كانت واضحة في خطبة الجمعة الماضية، عندما أكدت أنها تأمل “أن يتم اختيار رئيس الحكومة الجديدة وأعضائها ضمن المدة الدستورية ووفقا لما يتطلع إليه المواطنون بعيدا عن أي تدخل خارجي”، وهذا نص واضح منحاز إلى حق الشعب العراقي، لكن هل يرضي هذا الكلام الميليشيات؟

 في نص الخطاب نفسه أكدت المرجعية أنها “ليست طرفا في أي حديث بهذا الشأن، ولا دور لها فيه بأيّ شكل من الأشكال”، لكن الذي حدث أن مجاميع تحمل صور المرجع السيستاني وتهتف باسمه اخترقت المتظاهرين واعتدت عليهم بالقتل والطعن بالسكاكين، دون أدنى التفات إلى ما جاء في الخطبة من توجيهات.

 وبعد هذا العدوان الميليشياوي على المتظاهرين السلميين، أكدت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على قادة ميليشيات عراقية موالين لإيران بسبب استعمال العنف في مواجهة الاحتجاجات والضلوع في قضايا فساد. كما قال مسؤول كبير بالخارجية الأميركية إن بلاده تجهز عقوبات جديدة في ما يتصل بالاحتجاجات في العراق، وهذا يثبت تورط إيران، التي أحرق المتظاهرون قنصلياتها في البصرة والنجف وكربلاء وحاولوا الوصول إلى سفارتها في بغداد، في جريمة قمع الاحتجاجات العراقية السلمية، خصوصا بعد أن تأكد وجود قائد الحرس الثوري الإيراني في العراق لقيادة العدوان على المتظاهرين وفرض رئيس حكومة على العراق مرضي عنه إيرانيًّا.

 إن الثابت هو أن المرجعية في خطبتها الجمعة الماضية، حاولت أن تكون واضحة في إعلان حرمة الدم العراقي، وهي تهمة تختص بالميليشيات والقوى الأمنية لأنها تملك السلاح، بينما لا يملك المتظاهرون أي سلاح يهدر الدم العراقي، وكذلك تشديدها على أن يتم اختيار رئيس حكومة وفقا لما يتطلع إليه المواطنون بعيدا عن أي تدخل خارجي، والأمران لم تطعهما الميليشيات المرتبطة بإيران ولا ترضى عنهما، ما أثبت أن اسم المرجع السيستاني بالنسبة إلى هذه الميليشيات مجرد غطاء تتستر به لتنفيذ جرائمها الانتقامية ضد العراقيين.