وبؤس الجغرافية...والتاريخ!

على ضوء ما يجري اليوم وأمس...

أمران يتحكمان بالكورد، الأول الجغرافية، والثاني التاريخ. في أمر الجغرافية ثمة فروع، وجذور، بحيث تكمن الفروع ضمن باطن هذه الجغرافية، وظاهرها؛ وتكمن الجذور في فعل الطبيعة أو عوامل العصيان.

 

قبل فترة صرح أردوغان بنبرة تثير العنصريّة تجاه العرب خاصةً، فقال إنّ هذه المنطقة (المقصود المنطقة الواقعة بين كري سبي، وسري كانيه) لا تناسب الكورد، لأنها صحراويّة، بل هي تناسب العرب، فالكورد يعيشون في المناطق الجبلية.

 

وفي أمر التاريخ، حيث الثورات والعصيان، والتمرد، والرفض من قبل الكورد، هي أفعال تطغى على المشهد الحياتي؛ وهنا مربط الفرس!

وما أن بدأ تاريخ يقظتنا القومية حتى بدأ العالم يفكر ويخطط كيف يقف عائقاً أمام حريتنا، أي على عكس ما نهوى نحن نحوه.

عادةً في الثورات تُكسب أصدقاء كما تكتسب أعداء، إلا في الحالة الكورديّة فأصدقاؤنا يخفون أنفسهم عند حاجتنا لهم، وفي كثير من الأحيان يتآمرون ضدنا أيضاً، ترى أين تكمن العلة، فينا أم في أصدقائنا؟!

في حالتنا الكورديّة ثمّة واقع مفاده إنّ جغرافيتنا عصية على الاختراق، وتاريخنا حافل بالدروس.

بيد أننا سرعان ما نخفق في كلا الأمرين؛ ونضيع بوصلة استثمار هذين العاملين، و نخفق في صياغة مستقبل آمن وكريم لناسنا.

 

استطراداً... مرةً، قال أبناء ريف كُوباني، وهو يشكو من قدره؛ قال؛ يا رباه، خلقتني في الشرق الأوسط، وفي هذا الشرق جعلتني في سوريا، ومن بين شعوب سوريا خلقتني كورديا، ومن بين الكورد جعلتني في كوباني... حيث منطقة تحيط بها شعوب مختلفة وجغرافيّات سهلة الاقتناص من يعيش في كنفها.

وما أشبه اليوم بالبارحة، بمعنى إنّ ما يجري اليوم، يشبه إلى حد بعيد ما جرى قبل مائة عام، أي تماماً عندما كان الفرنسيون يتفاوضون مع الأتراك على "تركة الرجل المريض"، وكيف إنّ هذا التفاوض ما برح و أنتج الجغرافية التي تتعدى حد الشفرة، وتتراءى كما لو أنها قلقة، و حائرة في أمر أبنائها الكورد، وفوق كل ذلك مثقلة بالخلجانات الجغرافية، فتحتوي على بعض السكان من العرب حيناً والتركمان ولو بحجم أقل حيناً آخر.

ولا نستغرب أنّ هناك منطق للأمور تفسر بالقول، إن كان الفرنسيون حصلوا على هذه المساحة الحائرة من "الرجل المريض" المهزوم من كل المعارك التي كانت ضده، فكيف إذا سيكون الوضع مع تركيا الحالية التي وما أن تأن من وطأة أو من ضغط دولة ما حتى تُفتح لها "طاقة الفرج" من دولة أخرى.

 

الكورد خرجوا من الصراعات على الحدود بجغرافيّات يصعب صياغة أية استراتيجية؛ ومن مفارقات الزمن أنّ هذه الجغرافية التي كان الفرنسيين قد تمسكوا بها عندما وقعوا على الاتفاقية تباهوا بالنصر صارت اليوم سبباً لزوال الأمة مع اغتصاب أرضها من قبل أبناء "الرجل المريض"؛ فهي بؤس الجغرافية بكل تأكيد، لكن بؤس التاريخ الذي لم نقرأه على نحو ما يُراد أيضاً!

المقال بجملتين:

التاريخ أي تاريخ يُصاغ من رحم الجغرافية، أي إنّ الجغرافيات هي رحم الأمم والشعوب هي حبلها السري!