ثورتا لبنان والعراق لا تشبهان الثورة السورية

يتحسر سوريون معارضون على ما آلت إليه ثورتهم من خراب وهم يتابعون تطورات الثورتين في البلدين الجارين، لبنان والعراق، وفي بالهم الفترة الأولى السلمية للثورة السورية التي يعتبرون أنها كانت مماثلة لما يحدث الآن. صحيح أن حكام العراق قد أغرقوا ثورة الشعب بالدم في أكثر من مدينة، وأن شبيحة حركة أمل وحزب الله هاجموا جمهور الثورة في لبنان في مواقع عدة، لكن ذلك في نظر السوريين يبقى دون مستوى القمع الذي واجهته ثورتهم السلمية منذ البداية، الأمر الذي سمح باستمرار التظاهرات السلمية في العراق ولبنان، بزخم متصاعد، على رغم التدخلات القمعية التي حدثت.

غير أن التشابه يتوقف هنا، لتبرز الاختلافات التي تزداد أهميتها كلما حافظت الثورتان على صمودهما وزخمهما. الاختلاف الأبرز، في ظني، هو في تجاوز الثورتين في العراق ولبنان الحواجز الطائفية نحو حالة وطنية غير مسبوقة في تاريخ البلدين. من هنا جذرية الثورتين بالقياس إلى الثورة السورية. الحق أن هذه مفارقة غريبة: السوريون لم يعيشوا في السابق حالة طائفية بمعنى تقاسم السلطة بين الطوائف بمعيار حجمها النسبي كما هي الحال في كل من لبنان – منذ الاستقلال – والعراق منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003. ومع ذلك فشلت الثورة السورية في تشكيل حالة وطنية عابرة للمكونات، على رغم ادعائها أن "الشعب السوري واحد!". في حين أن العراقيين واللبنانيين المقسمين سلفاً ورسمياً إلى مكونات تمكنوا من تجاوز الحالة الطائفية وأطلقوا ثورتهم كثورة وطنية عامة.

يمكن تفسير الحالة السورية بأن الخطاب السائد في الثورة السورية قد خضع لأكذوبة النظام الخاصة بـ"الوحدة الوطنية"، فأنكر وجود تباينات طائفية وثقافية وإثنية في المجتمع السوري، واعتبر أن إسقاط النظام السلالي الأسدي كفيل بحل كل التناقضات المحتملة داخل المجتمع السوري، وأن مبدأ "المواطنة المتساوية" في دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية التي تكفل تداولاً سلمياً للسلطة كفيل بالعبور بسوريا إلى بر الأمان والجنة الموعودة. في حين أن العراقيين واللبنانيين انطلقوا من واقع الاعتراف بالتنوع المجتمعي وثاروا على نظام المحاصصة الطائفية الذي بلغ ذروة الانسداد وتضرر منه الناس من جميع المكونات. ما ميز الثورة العراقية أنها انطلقت أولاً في البيئة الشيعية المفترض أنها ممثلة في السلطة أكثر من غيرها من المكونات، في حين اقتصرت التمردات الشعبية السابقة على البيئة السنية التي كان إسقاط نظام صدام قد دفع بها إلى الهامش.

وبالقياس إلى لبنان، يعتبر هذا إنجازاً كبيراً بسبب تقدم الوطنية العراقية لدى غالبية شيعية على ولاء الأحزاب الشيعية للسياسة الإيرانية. أما في لبنان فالمشاركة الشيعية في ثورة الشعب لا يمكن تجاهلها، لكن عقبة "الثنائي الشيعي" أمل وحزب الله، ما زالت حائلاً دون انخراط واسع النطاق في الثورة. من الصعب التكهن الآن بمدى الانفكاك المحتمل عن الثنائي المذكور في الأسابيع المقبلة، لكن الحركة والحزب هما الآن في موقف دفاعي، ويعملان بكامل طاقتيهما لشد العصب الطائفي بغاية إفشال الثورة.

الثورة السورية فشلت في استقطاب بيئات اجتماعية واسعة من الأقليات الدينية والمذهبية، فاقتصر أمر المشاركة على أفراد معدودين منها، كما فشلت في تطوير برنامج يستوعب المكون الكوردي الذي سيزداد ابتعاداً باطراد نحو أجندة مختلفة. لا يتعلق الأمر، في هذا التوصيف، بمحاكمة تبحث عن المسؤولية فيما حدث، بل بالنتائج التي وصلت إليها الأمور. يميل السوريون، عموماً، إلى التبرير وإلقاء المسؤولية على الآخرين، سوريين أو "مجتمع دولي" أو دول إقليمية أو غير ذلك من التبريرات التي لا تنفع في حل المشكلات الواقعية بل تزيدها تفاقماً.  

ثمة فارق آخر بين الثورتين العراقية واللبنانية من جهة، والسورية من جهة ثانية، هو غياب احتمال الأسلمة عن أفقهما، أقصد احتمال صعود الجهادية السنية إلى صدارة الحراك. ففي العراق شكلت تجربة "دولة داعش" الإسلامية رضة كبيرة في المجتمع السني بما يستبعد تكرار التجربة في أشكال تنظيمية جديدة. أما في لبنان، فالحالة الجهادية ضعيفة أصلاً ولا يمكنها أن تلاقي قبولاً واسعاً في البيئة السنية المدينية، ناهيكم عن التوازنات الطائفية المختلفة إلى درجة كبيرة عما في العراق أو سوريا. بما لا يسمح بهذا الاحتمال.

وإذا كان الكورد في العراق بعيدين عن الحراك الثوري، فالوضع الدستوري للإقليم يتيح إخراجهم من معادلات الصراع من غير أن يؤثر ذلك على حصائله المحتملة. أما في لبنان فما زال الخطر الأكبر على مستقبل الحراك الثوري هو التبعية المطلقة لحزب الله لأجندة إيران بقيادتها المأزومة، من غير أن يمنع ذلك انشقاقات واسعة محتملة من جمهور الحزب واتجاهها إلى الانضمام إلى ثورة الشعب كلما حققت هذه نجاحات وصمدت.

بالنسبة للسوريين المقهورين بما آلت إليه ثورتهم، لا يكفي الفرح بثورتي البلدين الجارين باعتبارهما نوعاً من "عودة الحق إلى أصحابه" أي إثباتاً متأخراً لمشروعية ثورتهم قبل تحولاتها المأساوية، بل يمكنهم أن يستفيدوا من درس الثورتين الأهم: تشكيل الحالة الوطنية العابرة للهويات، واستبعاد الإسلامية بمختلف أشكالها.

الشروط السورية القاسية من احتلالات أجنبية، وتبعية الأطر العسكرية والسياسية لدول، وخروج ثلث السكان من الأراضي السورية، وإرث ثقيل من الدم والدمار، وإفلات مصير البلد من يد أبنائه... كل ذلك لا يدعو للتفاؤل بإمكانية الاستفادة من دروس الموجة الثانية للثورات العربية، لأن ذلك يتطلب استعادة الثورة كما في سنتها الأولى أولاً، وتفادي المنزلقات اللاحقة بعد ذلك.

ولكن، بالمقابل، خصوم الثورة أيضاً ليسوا في أفضل حالاتهم. النظام أولاً هو في حالة موت سريري، قاعدته الموالية تكبدت خسائر كبيرة جداً من غير أن يلوح في الأفق أي أمل في حياة طبيعية بعد "النصر" على الشعب. إيران في أخطر أزمة تمر بها منذ الحرب العراقية – الإيرانية، سواء في الداخل أو في امتداداتها الإمبراطورية، إضافة إلى الضغوط الغربية الكبيرة. وإذا كانت روسيا مسيطرة على التطورات الميدانية إلى حد كبير، فهي غير مؤهلة لتطبيع الوضع في سوريا وأول شروطها إعادة الإعمار بفرض أن الصراع العسكري سينتهي.

يحتاج السوريون إلى ابتكار وسائل جديدة من أجل استعادة الأمل، من خلال تجاوز ما تم تجريبه وفشله. من كان يتصور، قبل شهرين فقط، أن يسقط اللبنانيون الانقسام التقليدي بين 8 و14 آذار؟ من كان يتصور أن ينطلق الحراك الثوري الجديد في العراق متجاوزاً الانقسام السني – الشيعي؟