حزب العمال الكوردستاني: في لوم المدنيين على الهروب من الموت

تفوّق القيادي البارز في حزب العمال الكوردستاني مراد قرايلان على نفسه حين حمّل أهالي كوباني ورأس العين مسؤولية سقوطهما في يد الغازي التركي والفصائل الملتحقة به. فقد لام سكان المدينتين لأنهم «حمّلوا عائلاتهم في سيارات وغادروا المدينتين، بمجرد سقوط بضع قذائف مدفعية عليهما» كما يقول في حوار تلفزيوني في محطة تابعة لحزبه!
تفوّق على نفسه، لأننا لم نر تصريحات مماثلة من أي إرهابي على الإطلاق، حتى لو اتخذ كثيرون منهم دروعاً بشرية من المدنيين كما أراد قرايلان للكورد أن يكونوا: «على الأهالي أن يبقوا مع المقاتلين»! هذا إعجاز فعلاً! عليكم أن تموتوا لتحموا «المقاتلين»! ولماذا؟ لكي يبقى الحزب الكوردستاني أو فرعه السوري يحكمكم، بالحديد والنار، إلى الأبد!
في مثل هذه الأيام من عام 2012، قتل أول شهيد في مدينة كوباني بنيران «قوات حماية الشعب» التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» التابع لـ«حزب العمال الكوردستاني» التابع لـ«منظومة المجتمع الديمقراطي» التي يرأسها مراد قرايلان الـتابع لجهات لا يعلمها أحد.
قتلت تلك «المنظومة» الطفل ولات حسي (17 عاماً) من إحدى قرى كوباني لأنه شارك في مظاهرة ضد نظام البراميل في دمشق قبل أن «يرتقي» المذكور إلى مرتبة نظام كيماوي. ولتبرير قتله لجأ الحزب الأوجالاني إلى طريقته البعثية – الأسدية المعروفة في تبرير أي شيء وكل شيء: فقال أولاً إن مقاتليه لم يقتلوا الطفل، ثم قال ثانياً إن الطفل هو عميل للمخابرات التركية، وقال ثالثاً إن عملاء المخابرات التركية قتلوه ليتهموا الحزب بقتله.
كانت هذه الجريمة بمثابة «البيان الحكومي» لسلطة «الاتحاد الديمقراطي» في مدينة كوباني، فقد تلتها جرائم أخرى متنوعة من اعتقال غير المؤيدين له، إلى إغلاق مكاتب الأحزاب الكوردية، إلى فرض خوات على الأهالي تحت التهديد بالسلاح، إلى تجنيد الأطفال في صفوف قواته بالإرغام، إلى احتكار المواد الحيوية كالوقود والخبز وتوزيعها على السكان وفقاً لمعيار الولاء، وقبل كل شيء منع التظاهر ضد نظام البراميل وقمعها إذا حدثت رغم أنفه، وغيرها من ممارسات تليق بقوة احتلال أجنبية. أي كما تصرفت جميع قوى الأمر الواقع في مختلف الدويلات السورية.
كان على أهالي كوباني ورأس العين أن «يتوّجوا تضحياتهم» بالموت المجاني لكي يهرب إرهابيو قرايلان بأمان أمام الجيش التركي والمرتزقة السوريين الملتحقين به، حتى يرضى عنهم القائد الملهم.

إلى ما قبل تصريحات قرايلان الفضائحية هذه، كان يمكن الجدال، دائماً، برفض لصق صفة الإرهابي بحزبه وامتداداته متنوعة الأسماء، على رغم كل انتهاكاته بحق السكان حيثما سيطرت قواته. أما وقد بلغ الانفصال عن الواقع (حتى لا نقول أشياء أخرى) بالرجل أن يلوم المدنيين على الهروب من الموت، وأن يطالبهم بالبقاء دروعاً بشرية لمقاتليه، فماذا يكون الإرهاب إن لم يكن هذا؟ يطالب قرايلان الأهالي بتقديم تضحيات. حسناً، تضحيات من أجل ماذا؟ من معتاد الرطانات القومية أن تطالب المعنيين بـ«قضاياهم» بتقديم تضحيات على طريق تحقيق اليوتوبيا القومية الموعودة (كذلك هي حال جميع الحركات الأيديولوجية). فما هو الوعد القومي الذي يبشر به الحزب الأوجالاني السكان الكورد ليطالبهم بتقديم تضحيات بحجم حياتهم وحياة أطفالهم؟ «المجتمع الإيكولوجي الديمقراطي»؟ أم «الإدارة الذاتية الديموقراطية» التي يحكمها قرايلان وزملاؤه من جبال قنديل وفقاً لتقلبات أجنداتهم المتغيرة حسب الظروف؟
بدلاً من لوم المدنيين على النزوح من مناطق الخطر، أو تحميلهم مسؤولية انسحاب قواته بالاتفاق مع الأمريكيين وتركيا، كان على قرايلان وحزبه أن يقدم نقداً ذاتياً شاملاً للسياسات الفاشلة والمدمرة التي طالما اتبعها، بدءاً من التنسيق مع النظام الكيماوي في عزل المناطق الكوردية عن الثورة الوطنية العامة، ليتفرغ النظام لتدمير ما تبقى من سوريا، وانتهاءً بالالتحاق بالأجندة الأمريكية في محاربة داعش بكلفة بشرية وعمرانية باهظة دفعت من دماء الكورد والعرب على السواء، التحاقاً وثمناً بلا أي مقابل.
أكثر من ذلك: لا يحق للحزب لوم حليفه الأمريكي أيضاً، فهذا الأخير دولة عظمى لديها سياستها التي لا تعبأ بمصير تابعين صغار مثل الحزب الكوردستاني، هي التي تخلت عن حليف بوزن شاه إيران، مثلاً لا حصراً. يقع اللوم على الحزب نفسه الذي ارتضى لنفسه أن يكون تابعاً لبرنامج الأمريكيين من غير أي ضمانات تخص مصير الحزب بعد القضاء على داعش، إذا تركنا جانباً ضمانات بشأن وضع دستوري جديد لكورد سوريا في مستقبل البلد، لأن هذا آخر ما يهم الحزب قبل الأمريكيين. ولولا ضغط الأمريكيين لانضم مقاتلو الحزب إلى الجيش الأسدي السوري كما طالبهم النظام في اجتماع حميميم الذي عقد تحت ضغط الغزو التركي.
لقد حصر الحزب خياراته الكارثية بين الأمريكيين والنظام، قاطعاً بذلك على نفسه أي خط رجعة إلى جماعات وطنية سورية قد تحظى بظهور جديد في شروط غير موجودة اليوم. أعني أن حالة العداء المتصاعدة بين العرب والكورد المتجاورين جغرافياً في مناطق متداخلة، والحزب أحد المتسببين بها (وإن لم يكن الوحيد) هي حالة مدمرة سواء بقيت سوريا موحدة أم تفككت بتضافر أجندات دولية وقوى نبذ محلية.
لم يتعظ الحزب من كارثة عفرين، فكرر السيناريو ذاته بين تل أبيض ورأس العين، في حين تحولت «القضية» التي لم تكن يوماً قومية كوردية، على يديه، من القضاء على داعش إلى حماية آبار النفط!
أتحدث عن «الحزب» بصورة عامة، وليس عن فرعه السوري فقط، ليس لأن مركز القرار واحد، بل أيضاً لأن الحزب الأم في تركيا نفسها لم يوفر جهداً في المساهمة في تدمير الإنجازات السياسية لكورد تركيا منذ العام 2015، فوفر كل الذرائع الممكنة للحكومة التركية للقضاء المنهجي على تلك الإنجازات.
حزب لا يتمتع بشجاعة النقد الذاتي لا يمكنه إلا المضي في تدمير أحلام الكورد وتخريب علاقاتهم بالمجتمعات المجاورة.