لا وحدة وطنية دون رؤية استراتيجية واضحة

 الدعوة إلى إقامة "وحدة وطنية كوردستانية" ليست وليدة مرحلة ما بعد الغزو التركي لأراضي غرب كوردستان / شمال سوريا، فهي دعوة متجذّرة في التراث الثقافي – السياسي الكوردي، منذ أن دوّن الشاعر الكبير أحمدى خانى ملحمته الشعرية العظيمة (مم و زين) قبل قرونٍ من الزمن ودعا إليها بحكمة ونظرةٍ ثاقبة في التاريخ المخضّب بالدماء لشعبنا. إلاّ أن هذه الدعوة ذهبت أدراج الرياح رغم أن مختلف القوى والحركات السياسية في كوردستان تكرر في كل مناسبة ما قاله ودعا إليه شيخ شعراء كوردستان، ولم تتحقّق سوى خطوات جزئية في هذا المجال، هنا وهناك على طريق الكفاح التحرري، كما وجدنا من تعاونٍ بين زعماء الكورد لدى الإعلان عن قيام جمهورية كوردستان في مهاباد في عام 1946، حيث تلاحمت قوى المقاتلين البارزانيين بقيادة الرئيس الثائر مصطفى بارزاني مع الجيش الكوردي في شرق كوردستان الذي كان قائده الأعلى الرئيس الشهيد قاضي محمد، في حين ظلت ثورات وحركات قومية ذات قادة شجعان وتضحياتٍ هائلة في أشد المراحل التاريخية حرجاً دون تضامنٍ رغم أنها كانت في ذات العقد من الزمن، مثل حركة الأمير سمكو آغا الشكاكي في شرق كوردستان، وثورة الشيخ محمود حفيد البرزنجي في جنوب كوردستان وثورة الشيخ سعيد بيران في شمال كوردستان... ثم جاء الإعلان في عام 1937 عن تأسيس (خويبون – الاستقلال) كأوّل حركةٍ ذات رؤية استراتيجية واضحة، تتمثّل في توحيد وتحرير كوردستان وتسعى لزج كافة الطاقات الكوردية في ظل قيادة مؤهلة للقيام بالكفاح المسلّح في وجه الطورانية التركية الشرسة، بعد سلسلةٍ من الانتكاسات السياسية والهزائم العسكرية التي منيت بها الحركة التحررية الكوردية. إلاّ أن تركيز (خويبون) على الكفاح المسلح في منطقة جبل آغري وحده كان خطاً استراتيجياً قاتلاً، دون السعي لنشر شبكةٍ واسعة من أدوات التحريض السياسي على الثورة في العمق الكوردستاني، ومن ثم فإن المثقفين الذين كانوا يلتفون حول الحركة كانوا شريحة استقراطية على الأغلب غير قادرة على تثوير الأوضاع في كوردستان، ولم تلق التأييد المفترض فيه من زعماء العشائر  الأقوياء، وهذا ما أدىّ بالثورة إلى الانتكاسة من جديد ليتحمل شعبنا وزر الأخطاء المرتكبة ويدفع الثمن غالياً.

 شهدت الحياة السياسية الكوردية بعد الحرب العالمية الثانية تحالفاتٍ مختلفة منذ نشوء الأحزاب السياسية في عموم كوردستان، إلاّ أنها لم ترتقي مع الأسف إلى مستوى التحالف العشائري الوطيد في ميديا، قبل الميلاد، ومن هذه التحالفات السياسية ما ظل حبيس حدود جزءٍ من أجزاء كوردستان المقسّمة بموجب معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية لعام 1916، ومن ذلك التحالف الكوردستاني في اقليم جنوب كوردستان، أو المجلس الوطني الكوردي في سوريا، الذي لم تساهم فيه كل الأحزاب الكوردية السورية، رغم حاجتها الماسة إلى التضامن والتلاحم فيما بينها. وقامت تحالفات شبيهة ضمن حدود شمال كوردستان أو شرقها، إلاّ أنها جميعاً لم تكن على مستوى المطلوب منها في مواجهة السياسات التدميرية والتصفوية التي تستهدف وجود شعبنا.      

في عام 1989 انعقد المؤتمر الوطني الكوردستاني في لندن برعاية مثقفين وشخصياتٍ كوردستانية هامة مثل الدكتور جمال نبز والدكتور مظفّر بارتوماه والبروفيسور دكتور محمد صالح كابوري والجنرال عزيز عقراوي عليهم رحمة الله جميعا وسواهم، وذلك تحت شعار (الاستقلال لكوردستان)، وتدارس المؤتمرون من اتجاهات سياسية كوردية مختلفة الأسس العامة للمؤتمر والأهداف القريبة والبعيدة له ومن ثم تم تحديد إطار للأولويات وما يمكن به الاقتراب من تلك الأهداف،  إضافةً إلى تكليف هيئة إدارية تقوم بالمهام المكلفة بها حتى انعقاد المؤتمر التالي الذي عليه تحضير دراسات ووضع تقارير وتوسيع قاعدة الأعضاء وبناء إعلام على مستوى القضية الكوردية والهدف الاستراتيجي الموضوع نصب أعين المؤسسين، وكان لي شرف المساهمة في أعمال المؤتمر وكتابة البيان الختامي الذي لا زلت أحتفظ حتى الآن بمسودته بخط يدي وكذلك المشاركة في الهيئة الإدارية التي ضمّت كورداً من أجزاء كوردستان المختلفة ومن المهاجر، مع وجود عنصر نسائي واحد فقط من الطائفة العلوية. ويجدر بالذكر هنا أن السيّد الرئيس مسعود بارزاني كان قد أكّد على دعمه التام للفكرة ولأهداف المؤتمر النبيلة، وأن الشيخ عثمان بن عبد العزيز (رحمه الله) قائد الحركة الإسلامية في كوردستان كان في يوم انعقاد المؤتمر في لندن فأكّد على تأييده للمؤتمر ودعمه لكل خطوةٍ من شأنها رفع الظلم عن الشعب الكوردي، وذلك في لقاء معه في مقر اقامته حضره عدة أشخاص ومن بينهم الدكتور مظفّر يارتوماه والبروفيسور كابوري والمفتي السابق الاخ عبد الرحمن شات من شمال كوردستان. كما يجدر بالذكر أن الشيخ الايزيدي الراحل درويش حسو من غرب كوردستان قد ساهم في المؤتمر بحرارة كما شاركنا العمل في الهيئة الإدارية لعدة سنوات، مثلما شارك شيوعيون وديموقراطيون وتجار وممثلون من طوائف دينية مثل الفيليين.  

كانت هذه تجربة جيدة على طريق تكوين رؤية استراتيجية عامة للحركة الوطنية الكوردية، إلاّ أنها لم تؤسس من قبل الأحزاب السياسية الأهم في كوردستان، وهذه نقطة ضعف، وكانت خطوة في العالم الخارجي، وليس على أرض كوردستان، لذا فإنها انهارت بعد عدة سنواتٍ ومؤتمرات لأسبابٍ عديدة ومنها سوء تصرّف القائمين على إدارة المشروع الذي كان يجب تطويره من خلال مساهمة القيادات الحزبية فيه، ومع الأسف فإن أحد الأحزاب القوية في كوردستان، حزب العمال الكوردستاني ظل لسنواتٍ عديدة ضد هذا المشروع بشكلٍ صارخ، بل ضد الكورد الوطنيين أيضاً، الذين أرادوا للمؤتمر أن يكون جسراً بين مختلف التيارات والاتجاهات السياسية وليكون منصّةً ذات خطابٍ كوردستاني واضح المعالم يتمكّن من تمثيل الأمة الكوردية في العالم الخارجي في حال انضمام ممثلي مختلف الأحزاب والقوى السياسية والثقافية له... ثم شرع حزب العمال الكوردستاني ينسج منوال المؤتمر الوطني حسب سياسته لينطبق تماماً على فكرة أن رئيس الحزب هو القائد الأعلى للأمة الكوردية ولا مؤتمر وطني كوردستاني من دون رئاسته، وظل بسبب هذه الرؤية الضيقة حتى اليوم غير قادر على إقناع العالم والشعب الكوردي بأنه حزب عاملٌ فعلاً لبناء استراتيجية ثابتة ومتينة لحركة التحرر الوطني الكوردستانية... ولا أريد أن أطيل الحديث هنا بل أدعه للمستقبل لأسباب عديدة.

إن عدم توافر رؤية منهجية لدى العديد من قيادات التنظيمات السياسية الكوردية هو السبب الأهم في تلكؤ العمل وفشله على صعيد تأسيس المنصة العليا للنضال التحرري الكوردستاني، فبعض الأحزاب لاتنفك تتهم سواها بالفشل والمناطقية والمهادنة في الدفاع عن الكورد وكوردستان، إلاّ أنها بذاتها لا تتوانى عن التعاون مع أعداء الكورد وكوردستان في سلخ منطقة كاملة من أرض الأمة الكوردية، كما رأينا في خيانة 16 أوكتوبر التي أضرّت ضررا بليغا بكامل شعبنا لأن عصابة خائنة استولت على مقدرات حزب كوردستاني عريق ذي تضحيات جسيمة، أو أن حزبا من الأحزاب لا يتردد في ردم كل الدماء التي قدّمها شعبنا من أجل الحرية والاستقلال وذلك بتحوّله من "حزب طليعي!" إلى ناكر لحق الأمة الكوردية في الحرية والاستقلال، بل تحوّلت زعامته إلى منابر لإنكار أهمية الدولة الكوردية لهذا الشعب المظلوم المجزّأ ، كما نراه يوميا لدى جملةٍ من الأحزاب التي صارت تتجرّد قياداتها من كل إحساس قومي، فانقلبت إلى عوائق في وجه وضع الأسس الضرورية لمعالجة استراتيجية لمجمل الكفاح التحرري الكوردي. حيث تتطلّب مثل هذه الاستراتيجية عدة متطلبات أساسية، منها الأرض التي لا بد من وجودها وتحديد جغرافيتها وقراءة تاريخها للتأسيس عليها، ووجود الشعب الذي يعيش على تلك الأرض ودراسة قضاياه ومشاكله وتراثه الثقافي وطموحاته وقدراته الاقتصادية والمالية والبشرية وكل ما يتعلّق بكفاحه ومشروعية كفاحه، فإذا لم تكتمل الصورة لدى الدارسين والقانونيين والسياسيين فكيف سيتمكنون من وضع استراتيجية طويلة المدى للكفاح؟

وعليه، فإن الدعوة للوحدة الوطنية ستكون خاوية مالم تستند على معطيات وأسس، فأي وحدة وطنية ندعو إليها ونحن نفكّر في عالم خيالي بلا حدود وأراض شاسعة واسعة وشعبٍ لا معالم قومية له وبراديغما مستوردة لا طعم ولا قيمة لها، فالوحدة الوطنية ترتبط ارتباطا وثيقا بالوطن، فإن لم تعترف بالوطن فلماذا المطالبة بالوحدة الوطنية؟ فلنتفق أولاً على سمات ووجود واحداثيات العمل الوطني الذي يستند إلى قاعدة أساسية، ألا وهي العلاقة المتينة بين الشعب وأرضه (وطنه)، فكيف يمكن تحديد احداثيات العمل الوطني من دون الاعتراف بالوطن أولاً؟