في شأن الأحزاب وأحوالها...

تجربة الأحزاب في واقعنا الكوردي، ليست تجربة جديدة، بل عمرها من عمر بعض الدول في منطقتنا، وربما تقريباً من عمر دولة سوريا والعراق أيضاً، ومثلما لم تنتج البلدان صيغة حكم تلبي آمال أهل البلدين وتحقق لهم السعادة والرفاه، فإنّ أحزابنا، وبالرغم من ولادتها كالفطر على السطح الكوردي لم تنتج قيادة المرحلة، ولم تحقق مشروعاً يتماهى مع تطلعات الناس، غير حزبين أو ثلاثة، يمكن القول عنها إنها أدارت شأن الناس وقاربت تحقيق تطلعاتهم.

وقد يسأل البعض عن السبب، فقد وصلت الأحزاب إلى نوع من العجز في إدارة شأن الناس أو على الأقل إدارة تطلعات جمهورها وحواضنها المجتمعيّة خاصة في المحطات التاريخيّة، وفي الحياة العامة؟

في الواقع هناك سببان أساسيان، الأول، أنّ مجمل الأحزاب هي نتاج ما أفرزه "المعسكر الاشتراكي" أو لنقل من إفرازات "ثورة اوكتوبر" الشيوعية في بداية القرن الماضي.

والثاني، البيئة المجتمعيّة، أو أنّ تلكئ الدولة في انتاج المؤسسات، ما ترك أثراً بالغاً في عمليّة نضج الأحزاب.

في السبب الأول، أنه وبالرغم من انهيار الأنظمة الشيوعيّة، وحدوث تحوّل كبير في بنية الأحزاب التي كانت تؤازر الشيوعيّة أو اليسار من أوربا الشرقيّة، فإنّ عجز المنظومة الحزبيّة في منطقتنا عن عمليّة المواكبة، وفشل قيادتها في البحث عن آلية فعالة حتى تحدث التغيير ليس في ذهنية المنضويين في الحزب فحسب إنما في بنيته التنظيمية أيضاً.

وفي السبب الثاني، هو أنّ السببان يكملان بعضهما، حيث تلكئ الدولة في إنتاج مؤسسات هو نفس السبب الذي جعل الأحزاب تتلكئ، اذا غياب نضج الأحزاب في مجال الشأن العام ينعكس سلباً على أداء الحكم وتالياً في مؤسسات الدولة، ما يعني أنّ الدول التي تصنف بالعجز في ممارسة الديمقراطيّة هي الدول التي تفتقر إلى وجود منظومة حزبيّة تنتج ثقافة المؤسسة والعمل الجماعي. ولعل ثمة سبب آخر يطل برأسه من بين السببين، وهو أنّ مجتمعاتنا تقلد الحزبيّة من منظومة اليسار في لحظة غُيّب عن الشارع الثقافي مفهوم دولة المؤسسات وشيء من الليبراليّة الغربيّة.

والحال، أنّ تجربة الحزب قد فشلت بامتياز في منطقتنا، وخاصةً في كوردستان سوريا، حيث تبيّن كم أنّ الحس الشعبي أنضج من حسهم الحزبي، واستجابة الناس لاحتياجاتهم كانت أقوى من استجابة الحزبيين لما يترتب عليهم من القيام به، وهذا لا يقف في حدود أحوال ناسنا، حيث البلدان العربيّة نفسها تعاني من نفس الاشكاليّة، ولذلك نرى "الجيل الثاني" من الربيع العربي، وبدا أنّ الجيل الأول فشل في صياغة منعطف جديد في المنظومة الرسمية للدولة العربيّة.

بقي القول، إنه، وما هو الثابت، وبرهنته الأيام وتجارب ناسنا القصيرة أنّ أحزابنا لم يعد بإمكانها أن تعبّر عن تطلعات الناس، لأنها عاجزة عن مقاربتها لأي حدث بمقاربة ما هو أبعد من الحزب، والزمن هو الزمن الذي يُراد أن يشارك في الحياة العامة وفي شأن الناس بآفاق ما فوق"الحزب"، وهذا ما لا يمكن أن يصبح واقعاً في ظل المعطيّات الحاليّة!

والمقال بجملتين:

إنّ اردت أن تكتسب جمهوراً حيّاً، فأعمل لآفاق أبعد من "مشروع حزبي"... الناس الكُثر يتواجدون حول من يعبّر عن ضمير الأمة وليس ضمير الحزب!