التعامل العصري مع التكوينات البشرية

 في ظل النظام الدولي الجديد ، لم يعد تعامل الحكومات مع شعوبها ومع الاجناس البشرية عموما على أساس العرق أو اللغة أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة أو الميل السياسي او الثقافي أو الاجتماعي مهما في تأريخ الشعوب المعاصرة، كما كان يجري الاهتمام بها كثيرا في الماضي القريب والبعيد، حيث ان التكتلات الاجتماعية في مختلف أنحاء المعمورة واجهت تشكلات وتداخلات وهجرات وتشابكا واغترابا على مستويات كثيرة، وليس من المقبول في ظل النظام الدولي الجديد ان يكون هناك (تمايز) في التعامل بين الاجناس البشرية داخل البلد الواحد ، ممن يعدون من مواطنيه ومتجنسون بجنسيته ، وفقا للتقسيمات والتصنيفات التي ذكرت اعلاه.

فالحكومات الحالية والمستقبلية أمام تحد من نوع آخر، وان كانت وحدة مجتمعاتها وتشابه أجناسها وتوفق رؤاهم مهما في الحفاظ على وحدة الشعب الوطنية لأي بلد،  وبخاصة في دول منطقتنا العربية ، لكن تداخل المجتمعات واختلاطها وهجرة الملايين الى مختلف بقاع المعمورة تطلب شكلا آخر من التعامل، لم يعد بالامكان حصر وحدة الشعوب على أساس انتمائها القومي او الديني او السياسي أو حتى الثقافي والمعرفي عموما، وانه ينبغي التعامل معهم على انهم متساوين في الحقوق والواجبات وفي النظرة الانسانية ، داخل البلد الواحد والمنطقة الواحدة وحتى الحي الواحد، وانتقل توزيع الهجرات البشرية داخل الدول وخارجها، وقبلت لجوء واقامة مئات الالاف من شعوب لاتمت اليها بصلة، لكن يتم التعامل مع تلك الاجناس البشرية ، وبخاصة في أوربا وامريكا ودول جنوب شرق آسيا، على انهم بشر يتم التعامل مهم بنظرة واحدة، وتوفر لهم الحكومات الاقامة والحرية والعيش الآمن الكريم، بلا تمييز او تفريق بينهم، على انهم وحدات بشرية تعمل ضمن اطار الوطن الواحد ، وهم يدينون لها بالولاء والامتثال للقوانين والانظمة، وينبغي ان تتعامل معهم الحكومات وفق نظرة شمولية ، وتعدهم كلهم مواطنيها، بعض النظر عن انتماءاتهم واعراقهم ومللهم، ونوع الثقافات والإنتماءات الاخرى التي يرغبون الدخول فيها او الانتماء اليها.

وفي العراق، على وجه التحديد، وفي ظل النظام الديمقراطي، لم يعد مقبولا ان يكون التعامل مع المواطنين العراقيين الذين اكتسبوا الجنسية العراقية على أساس الدين، ولا حتى على أساس مذهبي (شيعي او سني) أو كوردي او عربي او تبعية لقوميات أخرى ، وليس لأي منها فضل على الآخرين أو (علوية) على أخرى، ولا تعد (الأغلبيات البشرية)، دينية كانت أم طائفية أم قومية، مهمة في مستقبل أي شعب، او تشكل (مبررا) للتمييز بين البشر لأغراض التعامل معهم، وان الواجب الانساني ان تتعامل الدول مع كل مواطنيها بشكل متساو ونظرة موحدة ، على انهم بشر يتمتعون بنفس الحقوق وعليهم نفس حقوق المواطنة ، وما يترتب عليهم من احترام نظام البلد ، وتقاليد شعبه، حتى وان لم تتوافق مع رغبات الاخرين، لكن يفترض بها ان لاتشكل اعتداء على الاجناس البشرية او الطوائف التي تتعايش لها او تسبب لها متاعب عند ممارسة طقوسها ، ولا تؤدي ممارسة تقاليدها الى الأضرار بسمعة البلد او حقوق مواطنيه، وتعريض مصالحهم للمخاطر .

إن لهاث أنظمتنا السياسية ، ومنها النظام السياسي في العراق، نحو التغييرات الديموغرافية ، واتباع سياسة الهيمنة والتوسع الطائفي، أمرا يشكل تعديا على حريات البشر واستهجانا بعقائد ورغبات وأمنيات ملايين العراقيين، الذين يجدون في تلك السياسة تدعيما لسياسة فرض الامر الواقع وممارسة طغيانا وعجرفة وممارسات غير مقبولة، تواجه ازدراء واستهانة بها من أغلبية واسعة من العراقيين في محافظات بعينها، يواجهون عمليات تغيير ديموغرافي واسعة النطاق، وأصبحت تلك الحالات تواجه بالرفض والشجب والاستنكار، كونها ممارسات تتعارض والأخلاقيات والمثل العليا وتتعارض مع الأديان السماوية والقيم العليا والدستور العراقي، ولم يتوقف زحفها ، إن لم يتوسع نطاقها، ما يشكل انتهاكا خطيرا لحقوق الانسان في هذا البلد.

وتبقى مسألة مهمة وهي قضية اللجوء الواسع والهجرات في الازمات ، ممن لم تقبل الدول بمنحهم الاقامة أو قبول تجنسهم، فهؤلاء غالبا ما يوضعون ضمن تجمعات سكانية خاصة بهم ، وهم لايشكلون مواطني تلك الدول، لكن ينبغي التعامل معهم بإحترام وتوفير قدر من العيش يليق بهم لحين توفر الظروف لعودتهم الى بلدانهم، مثلما تعرض ملايين العراقيين والسوريين ومن دول اخرى للجوء الى مختلف دول العالم، وما زالت مشكلة المهاجرين واللاجئين تشكل تحد كبير للدول، ومن حق الدول ان تحمي شعوبها هجرات غير منظمة وواسعة النطاق تشكل من وجهة نظرهم تهديدا لاقتصادها وأمنها ، وتعد اللاجئين (عالة) على الشعوب الاخرى، ومن حسن الصدف ان كثيرين عادوا الى بلدانهم بعد ان توفرت لهم بعض سبل الاستقرار والعيش، ما يشكل أملا بأن يتم التخلص من أعباء تلك المشكلة الدولية البالغة الخطورة في أقرب وقت ممكن، إن بذل المجتمع الدولي جهدا للتخفيف من معاناتهم، في تسهيل توفر قدر من الأمن في دولهم، لكي يعودوا اليها، ويخلصوا هم من آثار تلك المعاملات السيئة التي يواجهونها في فترات اللجوء.