الرئيس مسعود بارزاني.. وكورد غرب كوردستان

منذ أن تم وضع أول حجر في عمارة إقليم كوردستان المعاصر، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعيد انتفاضة آذار، وجد كورد غربي كوردستان في ذلك رئة لذواتهم، كي يتنفسوا من خلالها، بعد عقود من الظلم والعسف، والقمع، والحرمان، ومحاولات التعريب، وإزالة هوية الكورد من خريطة البلاد، بتذويبهم، وصهرهم، في بوتقة القومية الرسمية، إذ كان محروماً ممنوعاً على الكوردي: اسمه الكوردي، وأغنيته، ولغته، وانتماؤه، وهويته، بل  لطالما كان يُنظرإليه على أنه" عربي"، كما كان يورد في بطاقته الشخصية، كما كان ينظر، في المقابل، إلى كوردي كوردستان الشمالية  بأنه تركي، وكوردي كوردستان الشرقية على أنه فارسي إلا أن محاولات ابن" روج آفايي كوردستان"، في إثبات وجوده وهويته لم تتوقف، منذ إرساء  أوائل أعمدة الشوفينية والقهر والاستبداد، في مهاده، عبر ما شكله من جمعيات وأحزاب  ومؤسسات، كتحد لحالة الاستلاب ومحو الهوية، غير آبه بما يقدمه من تضحيات على نطع الحرية، إذ إنه كان بسبب طبيعة بلاده- السهلية وغيرالجبلية- ينتظر ما يحققه الكوردستانيون في الأجزاء الأربعة من إثبات الذات، ولاسيما في ما يتعلق بإقليم كوردستان" العراق" الذي تربطه به وشائج جد قوية، يمكن تشريحها، على نحو خاص، خارج هذه الوقفة، إلا أن من أهم هذه الوشائج  التي بدت له، في أصعب مراحل الاستبداد بحقه، ما دأب أن يستشعره من عناية البارزاني المصطفى الخالد، بكورد غرب كوردستان الذين اعتبروا انتصار ثورة أهلهم في جبال كوردستان انتصاراً لهم، في زمن كان مجرد ذكر اسم بارزاني بمثابة خيانة وطنية في عرف كتبة تقارير نظم دمشق، ورقبائه، وساسته!

هذا الرباط القوي بين جزأي كوردستان: كوردستان سوريا والعراق، بات يقوى حتى بعيد رسم الحدود بين أشطار كوردستان، بالرغم من أن الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على  سدة كرسي الحكم في كل من سوريا والعراق اللتين ضم الجزءآن إلى خريطتيهما- كل منهما على حدة- كانت جد حريصة على تكريس تقطيع أوصال  الرباط بين هذين الجزأين، والسعي، بكل ما أمكن من صلف وقوة،  لثبيت الحدود بينهما، وقطع  أية وشيجة متبقية، على امتداد سنوات  حكم الأنظمة الدكتاتورية في البلدين، ليلتقيا، في مسألة وحدة، بالرغم من كل مابينهما من خلافات، كما هو شأن الدول الأخرى المقتسمة لكوردستان، إذا كان الأمر متعلقاً بفرض المزيد من الحصار على أبناء الوطن الكوردستاني، وهومايتم حتى  هذه اللحظة التي يشتعل فيها أوَّار الحرب في كوردستان سوريا، نتيجة تواطؤات دولية، إقليمية، مع الطاغية هولاكو العصرأردوغان الرئيس التركي الذي يعمل على حرق الأخضر واليابس، لئلا تقوم للكورد قائمة!؟

وإذا توقفنا عند كل ما دأب أن يقدمه الرئيس مسعود بارزاني، ابن مؤسس أكاديمية النضال القومي، و راعي هذه المدرسة، منذ عقود، فإننا لنرى أنه، وبالرغم من كل الكوابح التي تحاول النيل من تواصل الكوردستاني في هذا الشطر مع صنوه في الطرف الآخر، بسبب ما أدركته ملياً سياسات الأنظمة الحاكمة في عواصم الأجزاء الكوردستانية الملحقة بها، فإننا لنرى  أن  الرئيس  مسعود يحمل قضية أهله. ذويه. كورده. أبناء كوردستان سوريا في ضميره، صنو أساسيات قضيته المركزية، شأن اهتمامه بكل كوردي. كل جزء كوردي، ومن هنا، فما من منبر دولي تكون له فيه كلمة، إلا وكان هناك جزء من خطابه الكوردستاني يخص أوضاع  كوردستان سوريا، وذلك من دون أي إعلان عن ذلك، بل بعيداً عن  أعين وسائل الإعلام، كما شأن كبير أي بيت، لا يعد ما يؤديه من أجل أسرته إلا من صلب وجوده، وديمومة رسالته التي نشدها. من صلب حضوره. من صلب مهماته الكبرى!

   وبالرغم من أن الرئيس مسعود قد خبرناه، على ضوء استقراء تاريخه، ومن خلال ألسنة الشهود- وما أكثرهم- أو من خلال ما تابعناه له فهو أحد القادة السياسيين الذين يتحلون بالحكمة والحب لكل أهلهم، بل لكل شركائهم، وجيرانهم، إذ هو ممن يقولون أكثر مما يفعلون، السمة التي أقر له بها العدو قبل الصديق، فإنه ليعد الآن، أحد أكبرقادة الكورد، بل أحد أهم الشخصيات المرموقة المشهودة لها، في حركات التحررالعالمي، وهو ما تأتى له بحكم أمرين، أولهما: ثقافة أسرته الكوردية العريقة. انتماؤه إلى أكاديمية البارزاني الأب التي راح يستكمل أعمدتها بما يرتقي إلى مستوى أسئلة المرحلة، وثانيهما أخلاقه، وتجربته، وشجاعته في الشدائد، فهو قد استطاع أن يضحي- كما أبيه الخالد- بكل المغريات التي تحول دون اختيار درب التضحية، ثقيل الضريبة، حيث آثر أن يسلك أصعب الطرق، وأشدها خطراً، من أجل حرية شعبه!

من هنا، فإن قائداً بمثل هذه الخصال الرفيعة حريٌّ به أن يرى ذاته، بل أن يراه شرفاء الكورد، أينما كانوا، في موقع سدة المسؤولية عن أهله. كل أهله، على مختلف جغرافياتهم الطبيعية، في جغرافيا واحدة، وعلى مختلف جغرافيات رؤاهم، حتى من سعى لعداوته، غير معترف بالحدود التي وضعت بين هذا الكوردي أو ذاك، لأنها حدود لا علاقة لهما بها. حدود وضعها خصوم الكورد، أعداؤهم، ولهذا فإننا وجدنا، سواء أكان ذلك في مرحلة ماقبل الثورة، أو ما بعدها اهتمام الرئيس مسعود بشأن كورد سوريا، وليس أدل على ذلك من مثال حاضر في ذاكرتي هوأنه خلال انتفاضة الثاني عشر من آذار كان موقفه مدوياً مما تعرض له أهلوه هناك من سياسات المحو والإبادة، إذ أشرع أبواب كوردستان لمن قدموا أنفسهم بأنهم مطلوبون من قبل آلة القمع في دمشق، وإذا لجأنا إلى مجهر مرحلة ما بعد ثورة السوريين في آذار 2011، فإننا لنجد أن الرئيس مسعود، عمل على نحو جلي، من أجل أهله، فقد امتنع عن تلبية  دعوة وجهت له إلى دمشق، كما أنه اتخذ موقفاً صارماً من نظام يقتل شعبه، واضطهد الكورد، واحتضنت هولير حوالي ربع مليون لاجئ كوردي سوري، ناهيك عن أنه كرس كل جهوده، من أجل  وحدة الكورد، بعد أن ظهر- فجأة- طرف كوردي، لم يكن له حضور يذكر، من قبل، على امتداد عقد ونيف مضى، بعد خطف وأسر قائده، فكان مؤتمرا هولير"1" و"2"، ومؤتمر دهوك، ناهيك عن مئات الاجتماعات واللقاءات التي وجدت ثمة إرادة لم ترد لموقف كورد سوريا أن يتوحد، لدواع معروفة، أرجىء الحديث عنها- هنا- طالما ثمة قصف ودمار ومحاولات فرض التهجير والإبادة بحق أهلنا الكورد، في غرب كوردستان، وثمة من يستهدف ذلك الطرف، بعيداً عن خوض التفاصيل!

 

أجل، ما من لقاء دبلوماسي، أو زيارة إلى أوربا، أو أمريكا، أو روسيا، بل وما من حوار، أو لقاء- وهنا نحتاج إلى مسرد إحصائي ليس هنا مكانه- إلا وتكون لكورد سوريا حضورهم، ونصيبهم فيه، بل إن لديه رؤيته التي يقدمها للعالم الحر، بصدد حل القضية الكوردية في سوريا- من جهة- بالإضافة إلى أمر آخر، ألا وهو أنه من خلال مكتب السيد الرئيس مسعود انفتحت  أمام ممثلي كورد سوريا- في المجلس الوطني الكوردي، في أحرج لحظات الحرب عليهم، وعلى مكانهم، وإنسانهم، و وجودهم: أبواب سفارات، بل وزارات خارجيات، ودول كثيرة بينه وبينها علاقات احترام متبادل، نتيجة إرثه النضالي العريق، وسمو خلقه،  ولم يقصر في فعل كل ما يمكن من أجل حزب الاتحاد الديمقراطي" ب. ي. د"- وهم أهلنا الذين نقف معهم اثناء أية ملمة- بالرغم من سوء موقف إعلامه، من الإقليم، بل سوء سياساته تجاه أمن واستقرار الإقليم، وما أكثرما تفاجأنا بظهور مسؤول من هذا الطرف في هولير/ أربيل، بعد أن خرج عن قواعد الاحترام، والأدب، في حوار ما، أو تصريح ما، وليس لأي داع، وإنما للتشويش على سياسات الإقليم التي يراها العالم كله صائبة، ناجحة، بيد أن هذا الأنموذج لايجد مسوغاً لوجوده في وجود ونجاح تجربة الإقليم، وهو موقف بعض قياداته المتسلطة، وبعض عوامه المغرر بهم، وذلك بعكس الشرفاء الكورد، في أي تصنيف حزبي أو أيديولوجي كانوا!

 

لاشك، أن الرئيس مسعود هو رمز قومي رفيع، بل ورمز إنساني مقدر، ومن أعمدة حركات التحرر الكوردستانية، بل العالمية، لأنه كرس بضعة عقود من عمره من أجل قضيته. من أجل قضيته شعبه، من أجل إنسانه،  بل حتى من أجل جيرانه، وشركائه، متعاملاً مع جميعهم بنبل الكوردي الأصيل، الحليم. يصفح عن هفواتهم، ويفتح معهم صفحة أخرى، شأن أي قائد استثنائي!

ولعمري، أني يوماً ما، لم أكتب عن أي مناضل، مهما كان فذاً، وهو بين ظهرانينا، لاعتبارات تتعلق باحترامي لقلمي، بيد أنني أكتب بضميرجد مرتاح عن الرئيس مسعود، أطال الله عمره، ورعاه، لخير شعبنا، وأمتنا،  فهو قائد حركة تحرر كوردستانية، لما تزل تخط مساراتها، وليس رئيساً لدولة، فحسب، إذ إنني لا اتصوره إلا وهو وفيٌّ يحمي بنبل قيمه. قيم كورديته. قيم كوردستانيته، قيم حق أمته في الوجود. حق وجود جباله كوردستانه، وينابيعها، وأنهارها، وسمائها، وشمسها، وهوائها، وريحها، وخيراتها، وإنني لأعتز بأنني أعيش في عصره. أجل، أعتز أني أعيش في عصره، شأن بعض من أحببتهم من الرموز والمبدعين الكبار، كما  أنني عشت بعض طفولتي وشبابي في عصرأبيه: أبينا البارزاني الخالد، والذي طالما قال عنه أبي. رجل الدين العالم، في مجالس مقربيه، وفي أصعب الظروف، ما معناه: إن من يعاد أسرة  سيدايي ملا مصطفى بارزاني- وكان قد القائد الخالد والرئيس مسعود-  فإن عليه إن يخشى على دينه!