بارزاني وغرب كوردستان في هذه المرحلة

لن نعود طويلاً إلى التاريخ، حيث العلاقات العريقة بين الحزب الديموقراطي الكوردستاني والحركة السياسية الكوردية في غرب كوردستان حتى لا يطول الحديث، إلا أننا نذكّر بأن تلك العلاقة كانت على الدوام وشيجة ومتينة لم تستطع كل قوى الأعداء من فصمها أو إضعافها أو تحريف مسارها، على الرغم من أن العراق وسوريا عاشا ردحاً من الزمن في ظل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي استفرد بالسلطة وظل ينظر إلى الشعب الكوردي كمجموعاتٍ من أفرادٍ لاجئين ومهاجرين من بلدانٍ أخرى إلى "بلاد العرب!"، وليس لهم حقوق، وفي أحسن الأحوال، حق "المواطنة" من الدرجة الثانية، وعليه تم تطبيق مختلف سياسات التمييز القومي حيال الكورد، منها طردهم من أراضيهم لإسكان العرب في مواطنهم كما جرى في ظل حكم صدام حسين على الدوام وفي منطقة "الحزام العربي" في سوريا، وسحب الجنسية منهم وغير ذلك من الممارسات العنصرية التي اعترف الرئيس السوري بشار الأسد قبل عقدٍ من الزمن بعدم شرعيتها وقانونيتها ووعد بإلغائها...

كان السيد مسعود بارزاني وحزبه، الحزب الديموقراطي الكوردستاني، على اتصالٍ دائم مع مختلف قيادات الحركة الوطنية الكوردية، ومن أحزابها ما كان ولا زال يحارب على النهج الذي أسسه القائد الخالد مصطفى بارزاني عبر كفاحه الطويل من أجل حرية شعبه، وكان السيد مسعود بارزاني يدرك أن هذه الحركة في إطارها العام وتوجهاتها السياسية وعلاقاتها الخارجية والكوردستانية تعتبره المرجعية الأعلى في الكفاح التحرري للأمة الكوردية، سوى بعض القوى المنحرفة عن جادة هذا الكفاح التي كانت تضمر الحقد والكره للبارزانية عموماً ولا تتوانى عن التعاون منذ نكبة الثورة الكوردية في عام 1975 مع أعداء هذه الأمة المظلومة للنيل من الموقع الريادي للسيد بارزاني في قيادة الشعب الكوردي ولنسف العلاقة المتينة بين قيادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني والحركة الوطنية الكوردية في غرب كوردستان.

لو لم يتأكّد السيد بارزاني من محبة وتقدير وموالاة حركة الشعب الكوردي في الجزء الغربي من كوردستان لقيادته الحكيمة والمخلصة للأرض والوطن لما ساهم بعزم في تأسيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا، وذلك في إطار التوافق الوطني السوري العام، وفي الحقيقة، فإن نشوء المجلس الوطني هذا، رغم كل نواقصه وأخطائه وضعفه وانحسار شعبيته بين الشعب الكوردي، لا زال الإطار التعاوني الأهم للحراك السياسي الكوردي في غرب كوردستان.

لم يكتفِ السيد بارزاني بذلك، بل حاول مد جسر العلاقة بين حزبه وحزب الإتحاد الديموقراطي، ذي التوجه الأممي والذي له مشاريع خلبية تتعدّى التوجه القومي – الوطني للحركة السياسية الكوردستانية، وكان أهم ما قام به السيد بارزاني في هذا المجال هو إرسال قوة بيشمركة مسلّحة جيداً إلى مدينة كوباني في وسط الشمال السوري للمساهمة في دفاع وحدات الحماية الشعبية التابعة للحزب الأممي هذا التي كانت تدافع ببسالة وشراسة عن مواقعها في وجه الهجوم الإرهابي العنيف المدعوم من دولٍ اقليمية وتمارس فصائله وحشيةً لا مثيل لها ضد أعدائها. فتم النصر لقوات الحماية الشعبية واندحر الإرهابيون لما لاقوه من إصرارٍ كوردي وتعاون مشترك بين الغريلا والبيشمركة في سبيل أرضهم وشعبهم... ويجدر بالذكر أن القوات التركية كانت تقف على الطرف الآخر من الحدود إلاّ أنها لم تدعم الكورد في ذلك الصراع الشرس، على الرغم من إدعاءات الحكومة التركية بأنها ضد الإرهابيين وضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالتأكيد، في حين أن هناك دلائل على دعمها للإرهابيين ضد الكورد في سوريا.

سمح السيد بارزاني لمختلف الكتل والأحزاب والمنظمات الكوردية السورية بعقد مؤتمر عامٍ لها في عاصمة اقليم جنوب كوردستان، قبل سنواتٍ عديدة تحت اسم "مؤتمر الجاليات الكوردية السورية"، وألقى فيه كلمةً دعا فيها جميع المساهمين إلى التعاون والتضامن للحفاظ على وحدة قوى الشعب الكوردي في غرب كوردستان وإن انقسامهم يخدم أعداء الكورد وكوردستان، ودعم نشاطات المؤتمر مادياً ومعنوياً إيماناً منه بأن ذلك الدعم واجب قومي وإنساني، ويجدر بالذكر هنا أن الاقليم قد قدّم رغم ظروفه المالية الصعبة كل ما يمكن تقديمه لمئات الألوف من الكورد السوريين الذين لجؤوا إليه بسبب الظروف السيئة التي أحاطت بهم في سوريا، وقد ازداد عدد اللاجئين الكورد هناك بشكلٍ رهيب منذ اندلاع الأحداث الدامية في سوريا منذ 2011.

لم تكن هذه المساعدات الإنسانية للكورد السوريين وحدها من انجازات السيد مسعود بارزاني وحزبه، أثناء توليه منصب رئاسة الاقليم أو بعد تركه المنصب، بل هو القائد الذي أدرك بأنه لابدّ من وجود قوة دفاعية مدرّبة وقوية لشعبه الكوردي في غرب كوردستان، فجاء تأسيس لشكرى روز (جيش الشمس) الذي يتألف من عدة آلافٍ من المقاتلين الكورد السوريين، رغم أنف أعداء البارزانية ممن أعلنوا معاداتهم لهذه القوات وانكارهم لوجودها أصلاً، ومنهم السيد صالح مسلم وآلدار خليل ومحي الدين شيخ آلي، في تصريحات متلفزة دامغة. وعلى الرغم من حاجة غرب كوردستان في الدفاع عن الشعب الكوردي في مواجهة الإرهاب الداعشي ومن وراءه من دول اقليمية، فإن حزب الاتحاد الديموقراطي الآمر الناهي في هذا الجزء من كوردستان قد حاول إعلامياً من خلال أقنيته التلفزيونية أو منشورات التشكيلات التابعة له من أحزابٍ موالية لدمشق تشويه سمعة لشكري روز واتهامه بأنه فرع من جيش تركيا أو أنه يقبض رواتبه من الحكومة التركية، وذلك لمنعه من دخول غرب كوردستان للمساهمة في صد المعتدين عليه.

 إن تلك المواقف ليست إلاّ ذرائع واهية لتبرير سياساتٍ خاطئة ومنحرفة عن كفاح الأمة الكوردية وتابعة لمن لايريد لهذا الكفاح أن يقوى ويشتد. وبسبب حكمة السيد بارزاني الرافض لأي اقتتال كوردي داخلي، فقد كان مع بقاء هذه القوات في الاقليم حتى إقناع المنافس الأممي بالسماح لها بالعودة إلى مواطنها التي جاءت منها على شكل لاجئين أرغمتهم ظروفهم على ترك قراهم ومدنهم في غرب كوردستان بسبب ظروف الحرب في سوريا.

ورغم كل المواقف السلبية لحزب الاتحاد الديموقراطي حيال السيد بارزاني ونهجه القومي المسالم عامةً، فقد كان السيد بارزاني هو المشرف الفعلي والأكبر للمناقشات بين الحزب الأممي والمجلس الوطني الكوردي في اجتماعاتٍ عديدة جرت في هولير (أربيل)  ودهوك، حيث تمخّض عنها اتفاقٌ لم يلتزم به حزب الاتحاد الديموقراطي الذي سجّل موقفاً مغايراً لكل الحركة الوطنية السورية في الأزمة السورية، حيث أكّد على وجود "خط ثالث" بين الحكومة في دمشق والمعارضة السياسية والعسكرية لها، وقد أثبت الإتفاق الأخير بين هذه القوات الأممية والحكومة السورية بإشراف روسي مؤخراً أن لا وجود لهذا الخط الثالث، فها هي القوات الحكومية تنتشر في المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات الحماية الشعبية دون أي شروط أو حساب.

بعد فشل المساعي لبناء تحالف قومي كوردي سوري، دعم السيد بارزاني الجهود في سبيل انضمام المجلس الوطني الكوردي إلى قوى الحراك الوطني السوري المعارضة للحكومة السورية، ومن ثم ليكون المجلس الكوردي جزءاً هاماً من إئتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية الذي أقّر اعتبار الشعب الكوردي من المكونات الأساسية لسوريا وأن القضية الكوردية قضية وطنية ويجب انهاء كل الممارسات والسياسات التمييزية ضد الكورد وتثبيت حقوقهم الثقافية والقومية في الدستور المزمع تدوينه للبلاد، إلاّ أن عدم التزام زعماء المعارضة بما تم إقراره في الإئتلاف يضر بسمعة المجلس ويؤثر سلباً على فعالياته ونشاطاته، ومن هؤلاء المعارضين من أظهر لمراتٍ عديدة عداءً تاماً في الإعلام للشعب الكوردي وحقه القومي كمكوّن سوري أصيل، وشنوا أشنع الحملات الكاذبة ضد الكورد ووجودهم في المنطقة.

لم يتوقّف السيد بارزاني، من قبل أن يبدأ الغزو التركي العسكري لشمال شرق سوريا، عن دعوة المجتمع الدولي للحيلولة دون حدوث هذا الغزو الذي سيكون وبالاً على المنطقة عموماً وعلى اقليم جنوب كوردستان خصوصاً لتعاظم النزوح السكاني صوب الاقليم، وخطورة ما تزعم الحكومة التركية القيام به من تغيير ديموغرافي على حساب الشعب الكوردي كما جرى في منطقة جبل الكورد / عفرين من قبل، إضافةً إلى خطر استفادة تنظيم (داعش) من ظروف الحرب  للظهور والتمدد، وإلى مزيدٍ من اضطهاد الشعب الكوردي الذي يعيش على أرضه منذ فجر التاريخ. وحاول السيد بارزاني إقناع حزب الاتحاد الديموقراطي بأن يساهم لشكرى روز في الدفاع عن غرب كوردستان،  إلاّ أن موقف هذا الحزب غريبٌ حقاً، فهو يميل إلى قبول انتشار الجيش النظامي السوري في مناطق سيطرته وكذلك فصائل العشائر العربية المتحالفة معه مؤقتاً، إلاّ أنه يرفض مجيء قوات كوردية سورية تأسست أصلاً للدفاع عن شعبها في غرب كوردستان.

رغم ذلك كله، فإن السيد بارزاني لم يتوقف عن مساعيه للتأثير في مواقف الدول والقوى والشخصيات الصديقة، في العالم العربي وفي الاتحاد الأوربي وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وسواها لمنع حدوث الغزو التركي، كما أنه اتصل بتركيا أيضاً على أمل لجوئها إلى الحلول السلمية دون الانجرار إلى الأعمال العدوانية العسكرية.  قبل وبعد بدء العمليات الحربية التي يعلم السيد بارزاني أن نجاحها لن يتوقّف عند الحدود السورية – العراقية، بل ستثير شهوة العسكريتاريا التركية والطورانية المنتعشة للهجوم على اقليم جنوب كوردستان وتوسيع نطاق تواجدها العسكري الحالي هناك بذريعة محاربة حزب العمال الكوردستاني.

وأخيراً، فإن السيد بارزاني سيكون دائماً في صف المساعدين للكورد السوريين، سواءً في العلاقات مع الدول المعنية والمجتمع الدولي أو في مجال تقديم المساعدة الإنسانية للمواطنين في شمال – شرق سوريا دون تمييز بينهم، سواءً أكانوا كورداً أو عرباً أو من المكونات السورية الأخرى، أو في نطاق تقديم النصائح الأخوية لقادة المجتمع الكوردي السوري.

إن موقف السيد بارزاني من قضية شعبه في الجزء الغربي من كوردستان لا يختلف عن موقفه تجاه شعبه في أجزاء كوردستان الأخرى، حيث يعتبر النضال في سبيل وحدة وحرية واستقلال أمته ووطنه مسؤوليته وواجبه في الحياة.

وبرأيي أن يتم منح هذا الإنسان الكبير المؤمن بالسلام الشامل للجميع والتآخي الحقيقي بين الشعوب جائزة نوبل للسلام.