داعش وعقدة المنائر والاعلام

    لمنظمة داعش عقدة مركبة من التاريخ وما يدلل عليه، وخاصة الاثار بكل اشكالها، فقد استهدفت كل ما يؤشر الى حضارة ما، وكانت الكنائس والمنائر القديمة هدفا لها، فاسقطت اثنتان من اقدم منائر العراق وكوردستان، وهما منارة سنجار ومنارة الحدباء، وهما توأمتان لامارة الاتابكة في الموصل وسنجار وثالثتهما في اربيل، ولكون هذه المنارة واقصد منارة سنجار لها حكاية مع التاريخ والامريكان وداعش وثقافة التعريب والتغيير الديموغرافي فقد اصبح لها خصوصية الحديث.

      بداية دعونا نتعرف قليلا على أصل المنارة دون الخوض في تفاصيل التاريخ، فهي منارة جامع شيد في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي و 598 هجرية من قبل قطب الدين محمد ابن عماد الدين زنكي، وهي ثالثة منارات بنيت في عهد الاتابكة وحملت اسمهم ومنها منارة اربيل ومنارة الحدباء في الموصل، وقد تعرضت خلال السبعمائة سنة من تاريخ بنائها للكثير من الهدم على أيدي الغزاة الذين كانوا يقصدون سنجار لذات الأسباب التي دفعت داعش وغيرها اليوم إلى استباحة المدينة وتغيير هويتها وتدميرها وهدم كل معالمها الحضارية والاثارية بما فيها المنارة.

      بعد إسقاط نظام صدام حسين سيطرت مجاميع من الأهالي على معظم مفاصل الإدارة حتى وصلت قوات البيشمركة التي ساعدتهم على إعادة الامن والقانون، وأوقفت الفوضى العارمة التي صاحبت سقوط النظام، بل وإعادة الحياة إلى كل أجهزة الإدارة والخدمات خلال اقل من أسبوع، بما فيها المدارس والمستشفيات والشرطة والمحاكم وبقية الدوائر ذات العلاقة بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، وبعدها بشهر تقريبا وصلت بعض القوات الأمريكية من الموصل، بقيادة الجنرال ديفيد باتريوس الذي كان يقود الفرقة الرابعة التي تمركزت في الموصل حينذاك، والذي عُرف عن اهالي الموصل بانه محامي البعثيين!.

 حينما وصل سنجار طلب على الفور الاجتماع مع ممثلي الأهالي من كل المكونات والأديان والفعاليات السياسية والاجتماعية إضافة إلى قادة البيشمركة في المدينة، وقد كُلفت بتشكيل وفد من الاهالي ومن كل الشرائح والمكونات وقد ضم في حينه اكثر من ثلاثين شخصا يمثلون الكورد والعرب والديانات الثلاث (الاسلامية والايزيدية والمسيحية)، حيث تحدث باتريوس عن التغيير الذي حصل في العراق وانهم اليوم القوة الوحيدة وعليه من الضروري انسحاب البيشمركة إلى  مواقعها الاولية، مبررا ذلك بأنه لا يجوز بقاء قوتين مسلحتين في نفس المكان، ومدعيا بان مكونات من غير الكورد لا تستسيغ بقائها، مما دفعني للرد عليه بان قوات البيشمركة قوات نظامية لها تاريخا وهي حليفة حالها حال بقية اعضاء التحالف الدولي وتعمل بالتنسيق معه، ولديها تاريخ طويل في محاربة الدكتاتوريات وخاصة نظام صدام حسين، الذين تقاتلونه انتم منذ عدة ايام فقط، وقد نجحت خلال اقل من أسبوع من وصولها الى المدينة في إعادة دورة الحياة دون أن تفرق بين المكونات القومية والدينية، والذين يعترضون على وجودها هم ادوات النظام السابق الذي شوه المدينة وهجر سكانها الاصليين.

      عموما وضمن آلية التنسيق وبعد مفاوضات جرت بين القيادات الرأسية تم سحب البيشمركة لكي تستقر بدلا عنهم قوات امريكية اشترطنا أن تكون خارج المدينة وتحديدا في معسكرات جيش صدام جنوب المدينة، وفعلا هذا الذي حصل حيث بدأت العناصر الموالية للنظام والمضادة لهوية المدينة الكوردستانية التغلغل إلى مقراتهم هناك، حتى تفاجأنا عصر احد الأيام بمداهمة قوة أمريكية للدوائر الحكومية والمقرات الحزبية وبدأت بتحطيم الأبواب المقفلة وكسر الدواليب ومصادرة السجلات وإنزال علم كوردستان وصور الزعيم مصطفى البارزاني والرئيس مسعود، ثم أبلغت بان رفع علم كوردستان سيؤدي إلى غلق المقرات واعتقال المسبب، وكذلك فعلت في معظم الدوائر والمقرات التي ترفع العلم وأنزلته وصادرت معظم الصور، وقد شاهدنا عناصر محسوبة على النظام السابق ومجاميع من مرتزقته المعادين لهوية المدينة وانتمائها يقودونهم إلى حيث يرفع العلم الكوردستاني.

      وكان رد فعل الاهالي ردا مدنيا حضاريا، فقد رفعوا جميعهم وعلى بيوتهم ومحلات عملهم اعلام كوردستان وباعداد كبيرة جدا، بينما قامت مجموعة اخرى باعتلاء منارة سنجار ولفها بالعلم الكوردستاني، حيث استيقضت المدينة في اليوم التالي ومئات الاعلام ترفرف فوق بيوتها وقد أصيب الامريكان بالدهشة حينما رأوها تزين المدينة ومنارتها، مما دفعهم في اليوم الثاني الى الاعتراف بخطئهم والاعتذار عما اقترفوه قبل عدة ايام بحق الاهالي وممثليهم مبدين إعجابهم بسلوك الاهالي وتصرفهم الحضاري، وقاموا برفع العلم الكوردستاني بكل احترام في المقرات السياسية.

      داعش ومن ماثلها اليوم فكرا وسلوكا منظمات خارج الزمن، وما تقوم به يدلل على غبائها الذي لا يختلف عن غباء أولئك الذين قادوا الأمريكان وورطوهم بإنزال علم كوردستان في المدينة، وهي بالتالي منظمة ارهابية  لا تعرف بان هذا الشعب سيعيد بناء منارته ويجعلها متحفا يضم كل آثارنا ويذكر أجيالنا بهمجية وإجرام وبلادة كل من يعادي الشعوب وهويتها وإرادتها في الانعتاق والتحرر.