في مشروعية النقد البناء للحركة الكوردية ونبذ الهجوم المجاني

ظاهرة التهجم على الحركة التحررية الكوردية في كوردستان سوريا ورموزها قديمة قدم الحركة نفسها ، رافقت مسيرتها منذ تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا كأول تعبير سياسي – تنظيمي عام 1957 وحتى يومنا هذا، وتغيرت أشكال هذه الظاهرة ، وتعددت أدواتها حسب المراحل التي مرت بها الحركة ، والمعارك السياسية التي خاضتها طوال مسيرتها النضالية . والملفت أن وتيرة التهجم ازدادت مع انطلاقة الثورة السورية في الـ 15 من آذار 2011 . ويجمع الكثير من المهتمين والمتابعين لشؤون حركتنا أن الأسباب الكامنة وراء ازدياد وتيرة التهجم بعد إنطلاقة الثورة عائدة في معظمها إلى مشاركتها – الحركة الكوردية - في الثورة بفعالية من خلال الحراك الشبابي السلمي أولاً ، وانضمامها إلى أطر ومؤسسات المعارضة الوطنية السورية ثانياً. هذه المشاركة التي أدت إلى خلط  للأوراق في حسابات النظام ، وخلل في الإسطوانة التي كان يعرضها أمام المجتمع الدولي كـ " حامي " للمكونات السورية القومية والدينية الأقل عدداً.ونظراً لإنعدام الحياة السياسية خلال حقبة البعث ولأكثر من نصف قرن ، وغياب تام للمناخات الصحية اللازمة لنمو التنظيمات السياسية على أسس سليمة ،كي تعمل على توعية وقيادة الجماهير بكل حرية ، وفتح النظام للحدود أمام أدوات المشاريع العابرة للحدود ، وتأمينه البيئة المناسبة للمجاميع الراديكالية بالتغلغل في مفاصل المجتمع ، وعوامل أخرى أدت بمجملها إلى حصول نوع من التداخل في المسارات التي من خلالها يتم استهداف الحاضنة الإجتماعية وتغذيتها، مما أدى إلى حصول نوع من الفوضى الهدامة الناجمة عن التفكك في العلاقات الاجتماعية ، وغياب الضوابط الضرورية ، ونوع من الانحلال الأسري النسبي ، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي أدت تراكمها إلى حدوث خلل في النظام العام ، والأخطر أن هذه الأمراض بدأت تفتك اليوم بالقيم الإجتماعية التي كنا نفتخر بها.ومن المعلوم أن هكذا أمراض هي  نتيجة طبيعية للأزمات السياسية في البلدان التي تفتقر للاستقرار وتعاني من الدكتاتورية والاستبداد وغياب الديمقراطية ( مثل سوريا ) . وعلينا أن نعترف بأن الأزمة التي نعاني منها اليوم تتسم بالكثيرمن التعقيد والتشابك في عناصرها وأسبابها وبالتالي نتائجها ،مما يستوجب أن نحلل عقدها ونحدد عناصرها ونقف على أسبابها كي نستدرك نتائجها ونكتشف طرق معالجتها . ومن المفارقات المحزنة في هذا الموضوع أن تلتقي مواقف بعض الاخوة ممن كانوا حتى الأمس القريب جزءاً من هذه الحركة وقيادتها ، مع مواقف أبواق النظام وأزلامه في التهجم على الحركة السياسية الكوردية ومحاولة تشويه تاريخها والتشكيك في مبررات وجودها ونضالاتها.وبات الأمر يشكل خطراً جدياً وتحدياً حقيقياً لجهة استقطاب المزيد من الاهتمام من قبل بعض البسطاء ، والمغرر بهم ، مايعني إثارة المزيد من القلاقل . وهذه اللوحة المشوهة لايتطلب بذل جهود جدية في مجابهتها فحسب ، بل يتطلب اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة ، للدفاع عن حركتنا والمحافظة على مصالح شعبنا.ومن الأهمية هنا الإشارة إلى أن ظاهرة الخطاب الشعبوي الذي نراها اليوم ، لاتقل خطورة عن ماتقوم بها الجهات المعادية ، ويصب في نفس الخندق الذي يستهدف وجودنا ، ويلتقي أصحاب هذا الخطاب مع تلك المنظومات الفوضوية التي تفتقر للضوابط  والمحرّمات ، وتتربّص بالوجود وتراهن على هدم الحركة ومؤسساتها.علينا وبالتعاون مع المخلصين من النخب الفكرية والثقافية أن نتبع طرق وأساليب علمية في معالجة هذه المعضلة التي تتعقد يوماً بعد آخر.وهنا لابد من الإنصاف في تشخيص مايجري حيث نلاحظ بكل وضوح الفرق بين شريحة من المناضلين والشرفاء الذين يقدمون كل الدعم وفي مختلف المجالات ويضعون خبراتهم في خدمة الحركة ويقدمون لها النصح في المنعطفات ، وبين الذين يخططون في هدم كل ماهو قائم ، محاولين إضاعة أية فرصة قد تتاح أمام شعبنا .ولعل من أكبر حسنات ثورات الربيع في المنطقة ،أنها أسقطت الأقنعة وأزالت الأوهام ، وأثبتت أن مانسمعه من خطب رنانة وكلمات معسولة هي محاولة من المهووسين بالكراسي الوهمية وليست بغرض التغيير إيجاباً أوالتطوير والإصلاح . ولكن مايهمنا هنا هو كيفية التصدي للمتربصين وتأطير جهود الخيرين لمعاجة الثغرات وفلترة صفوف الحركة من الشوائب والعوالق للوصول إلى حالة أكثر صحية وجسد أكثرنقاءً وقدرة على التصدي لمهام المرحلة ، وهنا نود الإشارة إلى بعض الامور التي نراها ضرورية في هذه المرحلة :

1- علينا أن ننطلق من أنفسنا قبل كل شيء، فمن يريد أن يساهم في نهوض الحركة التحررية الكوردية عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه أولاً والارتقاء بها وتنقيتها من الشوائب والتشوهات التي خلفتها حقبة الاستبداد.

2- السلوك الصحيح ، مطلوب ممن يدعي بأنه من دعاة تصحيح مسار الحركة ، أن يفكّر ويتصرف كشريك في الحركة وليس كخصم أو ضيف أو متفرج . عندها فقط يستطيع أن يطوي الصفحة السلبية ويخرج من حقول الخصومية .

3- الانخراط في صفوف الحركة والمساهمة في بناء وتحديث وتطوير مؤسساتها المختلفة الإعلامية والحقوقية والرقابية والفكرية والثقافية والسياسية والإقتصادية ......الخ،والانتقال من الخندق السلبي إلى الإيجابي ،والعمل والنضال المستمر، والاهتمام والمشاركة الفاعلة في الحياة الحزبية والسياسية ، وعدم الإكتفاء بمتابعة الأخبارالسلبية ، والعمل على تحديث و" تشبيب الأحزاب " من خلال ضخ الدماء الجديدة وإدخال الجيل الشباب إلى مؤسسات الحركة وتوعية الأجيال الجديدة وتثقيفها بالثقافة القومية .وضرورة اختيارمن هم " فوق الشبهات " في الالتزام بالثوابت القومية لقيادة العمل القومي والوطني، ومحاربة التعصب الحزبي والانتهازية والنفاق والتملّق .

ومن الأمراض المستشرية في واقعنا الكوردي وفي عقول البعض من نخبنا الفكرية والثقافية أنه – البعض المذكور - يبني في مخيلته وبطريقته الخاصة منظومتة المثالية ! ، ويتوقع أن يتبعه الجميع ، وعندما لايرى هذا التجاوب يصاب بنوع من الصدمة تدفع به إلى مزيد من المعاناة والآلام وارتكاب المزيد من الأخطاء وصولاً إلى الخصومة الكاملة مع كل ماهو قائم !، وينتهي الأمر بالبعض الآخرإلى الإنزلاق إلى حقول اليأس والضبابية نتيجة الثقة الزائدة بالنفس والغرور القاتل والإنحدار نحو مزيد من التشدد والتعصب للرأي والابتعاد عن الحالة برمتها، وينسى بأن مايعانيه هو بالذات يعد من أخطرأنواع الاستبداد. النقد " ضرورة " ولكنه يحتاج إلى الشجاعة والموضوعية ، وعلى الناقد أن يمتلك القدر الكافي من الشجاعة وينطلق من نفسه أولاً ، وأن يبتعد عن التجني . ولكن بكل أسف غالبية نخبنا سواءً المنخرطين منهم في التنظيمات السياسية المختلفة لحركتنا الوطنية التحررية ، أو المستقلين تنظيمياً ، يفتقرون للجرأة المطلوبة في هذا الجانب ( نقد الذات ) .

وختاماً من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الناقد في واقعنا " غالباً " ما يفتقر للموضوعية لابل أحياناً يغرد خارج حقولها تماماً ، وكثراً ما نراه خارج مساحة اللياقة أيضاً، وعدم القدرة على فهم الآخر ، ولايكلف نفسه عناء التمعن والتكرار كي لايجانب الحقيقة والموضوعية ، وقبل كل شيء على الناقد التخلص من إشكالية عدم القدرة على فهم خصوصية الأمور والأفكار ، وتجنب القفز فوق الاحتمالات التي يمكن أن يقصدها صاحب هذا الرأي أو ذاك الموقف ، وضرورة حصرية توجيه النقد بطريقة إيجابية كي يدرك المقاصد التي أرادها ، والتحلي بالموضوعية في دراسة القضية أوالموقف من مختلف جوانبها الإيجابية والسلبية والإمكاناتية ، مع مراعاة الظروف المكانية والزمانية ، وأن يتجرد ولونسبياً من الأحكام والمواقف المسبقة التي قد تؤثر في دوره كناقد، وأن يمتلك القدرة على إنصاف الآخر المختلف ، وأن يتحمل ويقدر بدقة المسؤولية المترتبة عليه، والنتائج المتوقعة من عمله ، والناقد الموضوعي الإيجابي ، هو جزء لايتجزأ من حوامل المشروع القومي الكوردي . وهنا يجب التمييز بدقة بين النقد بطريقة علمية وموضوعية كعامل هام وضروري من أجل التصحيح والتقويم والبناء ، وبين التهجم لغاية التشويه والتدمير ، وبكل تأكيد لا أحد يستطيع أن ينكر العيوب والثغرات التي تعاني منها اليوم الحركة الوطنية التحررية الكوردية في كوردستان سوريا ، وكي لايقع القارىء الكريم في لغط أوالتباس نريد التوضيح بأن النقد الموضوعي بغرض البناء " مرحب به دائماً " وفق اصوله وضوابطه ، ولكن التهجم على حركة شعبنا التحررية والإساءة إليها مرفوض مطلقاً .