إشاعة الكراهية والتمزق المجتمعي

يتحدث الكثير عن هذه الحقبة التي بدأت مع إسقاط الولايات المتحدة لهيكل النظام السياسي والإداري لحزب البعث، عن ظهور ما يسمى بالطائفية والعنصرية في العراق وحتى في سوريا ايضا، متناسين كما هائلا من الثقافة الاقصائية والازدرائية التي مورست من قبل معظم النظم السياسية العراقية ضد مكونات دينية أو مذهبية أو عرقيةوبأشكال مختلفة ووسائل متعددة، باستثناء فترة قصيرة جدا من الحكم الملكي وتحديدا في السنوات الأولى لتأسيس المملكة العراقية، والى حد ما فترة اقصر من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وما عداها ومنذ انقلب البعثيون وحلفائهم على نظام الزعيم قاسم، حكم البعثيون البلاد منذ شباط 1963 وحتى إسقاطه في نيسان 2003 مع وجود فترة قلقلة بين 1963 و 1968 التي انقلب فيها العوارف على الحرس القومي لكنهم لم يختلفوا في نهجهم السياسي عن سابقيهم إلابالعناوين والأسماء.

   لقد مورست ضد المكونات (الأصغر) سواء كانت قومية أو دينية أومذهبية كل أنواع الإقصاء باستخدام وسائل دعائية اجتماعية تزدري تلك المكونات بفيض من النكات والطرائف التي تظهرها بشكل ساخر أو منتقص، وتشكك في أهليتها بل وتهينها في نهجها الديني أوانتمائها العرقي، ونتذكر جميعا طوفانات النكات والقصص أوالطرائف المفبركة التي كانت أجهزة المخابرات وبعض المؤسسات تقوم بنسجها وإشاعتها للتداول بين الأهالي، وليس بعيد عن الذاكرة تلك التي كانت تستهدف جنوبا (الشروك والمعدان) وازدرائهم وإظهارهمبأنهم أناس بدائيون وأجلاف، وشمالا الكورد والتركمان، الذين ينتقصون من آدميتهم ومواطنتهم بأنماط من القصص والنكات المفبركة التي تظهر غبائهم وبلاهتهم وحماقتهم، وكذا الحال غربا معالدليم والمصالوة كما كانوا يقولونها، وإظهارهم بالبخل والحماقة والتخلف!

   في حصيلة سنوات طويلة من ممارسة هذه الثقافة تكلست أنماط من الكراهية والازدراء بين المكونات التي تعرضت جميعها إلى هذا النمط من التسقيط والانتقاص، سواء الكورد والعرب أو السنة والشيعة، وبقية المكونات، ناهيك عن عقدة ابن المدينة من القروي أو (البراني - البراوي) واعتباره دوما منتقص المدنية ومحط السخرية، مما أنتج مع وجود بيئة صالحة لتفعيل هذه الأحاسيس المليئة بالكراهية، ما نشهده اليوم من طائفية وعنصرية مذهبية وقومية مقيتة وصلت إلى حد التذابح والتكفير، بل وشن حربا مقدسة فيما بينها لأي سبب كان، وما يجري اليوم من عمليات تطهير مذهبي وعرقي في المناطق المختلطة عمل على إحداث تمزيق شديد في البنية المجتمعية للسكان وهذا ما نشهده اليوم في نينوى والانبار وصلاح الدين وأطراف بغداد وشمال الحلة وكركوك وديالى، مما ينذر بخطر داهم يضعنا جميعا أمام مسؤولية تاريخية ووطنية إزاء حرب ستحرق الأخضر واليابس، ولن تكون نتائجها أفضلمن تلك النتائج التي وصل إليها البعثيون وغيرهم بتدمير العراق وضياع فرص ذهبية لتقدمه وتطوره ووجوده.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.