داعش ... المسيرو التحول (1) .. من رحم الاهوال والفظائع الى الفضاء السيبرياني.

كون غير مدركين و غير فاهمين لماهية وعقلية داعش ، اذ إعتبرنا سقوط قرية الباغوز في ريف دير الزور السورية آخر معاقله، بايدي قوات سوريا الديمقراطية ،المدعومة أمريكيا ، بانه سقوط للتنظيم المتشدد وإنتهاء لنهج خلافته المعلنة ، وهجمات الأحد الدامي في سريلانكا ما هي الا دليل على قوة داعش وعلى المفاجئآت غير السارة التي يزال يحملها في جعبته لأعدائه في بقاع مختلفة وليتوج رسالة بقائه بظهور البغدادي والذي حَملَ ما حَمِل من رسائلَ الى مناصريه وقبلهم الى من يكنون له العداء وهم كثيرون  .

داعش ،عايش فترات صعبة و مريرة من الانتصارات و الهزائم في بلاد الرافدين ، أيام كان فرعا للقاعدة  بقيادة الزرقاوي والذي قتل في غارة أمريكية بصواريخ موجهة في بلدة هبهب  التابعة لمحافظة ديالى العراقية العام 2007، والمتابع لشأن فرع القاعدة في بلاد الرافدين  وداعش في العراق والذي أعلن عنه في 2010 بقيادة أبي بكر البغدادي عقب مقتل أبو عمر البغدادي مع وزير حربه أبي حمزة المهاجر(أبو أيوب المصري)  في مخبئهما بالقرب من بحيرة الثرثار غربي تكريت  ، يدرك حقيقة الاهوال والفائع التي عاشها هذا التنظيم والتي نجى منها بطريقة أو باخرى ويدرك في ذات الوقت أن هذا النمط هو إمتداد لفكر الزرقاوي ولما بدأئه في معسكره بمدينة هيرات الافغانية مع (جماعة التوحيدو الجهاد ) والتي تلقت ضربة قاصمة أثناء الغزو الامريكي لأفغانستان عام 2001 .

اذ كان معسكر الزرقاوي  آخر القلاع التي سقطت بيد القوات الاميركية ، ليخرج من أفغانستان و يصل بمساعدة مقاتلين كورد الى كوردستان العراق وفي فترة اقامته الوجيزة عمل على دعم (جماعة جند الاسلام ، التي أسست إمارة مشابهة لامارة طالبان في بلدة بياره على الشريط الحدودي المتآخم لايران ) وليخطط من هناك لتنفيذ عدة عمليات نوعية منها محاولة إغتيال (برهم صالح ، رئيس جمهورية العراق ) حالياً .

ومع بدء الغزو الامريكي  للعراق قصفت مواقع (جند الاسلام) التي تحولت الى(جماعة انصار الاسلام ) بعد تلقي الدعم ،

ولم يتبق لها خيار سوى إلتحاق قادتها بالزرقاوي الذي سبقهم باشهر عديدة الى بغداد وعمل على تشكيل النواة الاولى ل(جماعة التوحيد والجهاد) بمعزل عن القاعدة ، اذ كان على يقين بان الامريكان سيقومون بغزو العراق وتلك كانت فرصة مؤاتية لأنتقام (المجاهدين) من الامريكان لما لاقوه على يد الامريكان ،من هزيمة ومذلة على أرض الامارة الاسلامية في أفغانستان .

وسرعان ما تمكنت جماعة التوحيد و بمساعدة ما تبقى من قيادات أنصار الاسلام الكورد أمثال ( أبي عبدالله الشافعي،هيمن بانيشاري ، عمر بازياني وآخرون ) من بسط سيطرتها على أجزاء واسعة من بغداد  لكن الجماعة كانت فتية ودخلت في صراع مباشر مع القوات الامريكية وتضررت بعد مقتل أبرز قادتها لكن الجماعة ومكنت الزرقاوي من تنفيذ عمليات نوعية في مرحلة ما، فأمد ساحة القتال بالانتحاريين وجاءت عملية الهجوم على مبنى الامم المتحدة والتي أدت الى مقتل و جرح العشرات من العاملين فيه ومن ضمن القتلى (سرجيوديميلو ) ممثل الامين العام في العراق وكذلك عدة عمليات أخرى ،مثل الهجوم على سفارتي (تركيا و الاردن ) بمساعدة أنصار الاسلام كانت من أبرز عمليات جماعة الزرقاوي .

الزرقاوي ،قادته فطنته الى العمل على تشكيل مجلس شورى المجاهدين بعد أن واجه تنافسا شديداً من قبل فصائل المقاومة العراقية (الاسلامية و البعثية ) على حد سواء ، ابرزهم (جيش النقشبدنية البعثي و جيش محمد والجيش الاسلامي ) وخاضوا معاً معركة الفلوجة وأذقوا القوات الامريكية طعم المرارة للمرة الاولى ، وهكذا تمكن الزرقاوي من كسب ود الفصائل العراقية المقاومة للوجود الامريكي وأكسب قيادته للمعركة الدموية في العراق ، شرعية لا غبار عليها .

أوصلته عملياته وتكتيكاته القتالية الى قيادة فرع القاعدة في بلاد الرافدين ، بعد هذه الاحداث و اجهت القاعدة ضغوطا كبيرة من قبل القوات الامريكية و الاجنبية المتواجدة في العراق كما و واجهت تنافسا شديداً على ساحة الجهاد من قبل فصائل وكتائب المقاومة العراقية السنية التي وجدت لنفسها مكانة في أوساط شرائح كبيرة لدى العراقيين وشنوا عمليات مقاومة واسعة النطاق ضد الامريكان ، فالعراقيون كانوا يميلون في البداية الى المقاومة العراقية التي كانت غالبية رجالاتها من العراقيين أنفسهم أو كانوا من أنصار وفدائيي صدام،  بعكس القاعدة التي كان عمادها مقاتلوا الزرقاوي ممن عرفوا بالافغان العرب  أو من جماعة الانصار أو من عرفوا بالمجاهدين العرب الذين جاءوا الى العراق بدعوة من الرئيس العراقي الراحل (صدام حسين) قبيل الحرب المعلنة على العراق وهنا ازداد توجس فرع القاعدة من دور الفصائل العراقية بل وتراجع دورها كثيراً و خصوصا مع الاعدامات وعمليات الذبح ومشاهد قتل سريالية لمواطنيين و منتسبين في الحكومة العراقية .

 وبحسب معاصري فترة مجلس شورى المجاهدين و الذي استمر لحين مقتله ، كان الزرقاوي يعمل على جذب قيادات من الفصائل الى القاعدة ليتمكن من النهوض من جديد وبعد تقوية أركان التنظيم حدد أهدافه بذكاء  وجاء بمصطلح (قتل المصلحة) لقتل وتصفية إخوته في المجلس من قيادات المقاومة السنية العراقية .

 

كان مقتل الزرقاوي التحدي الابرز الذي واجهه التنظيم ، وايجاد بديل له كانت عملية صعبة نظراً لامتداد علاقاته بالقيادات الجهادية في الخارج ولسرية عمله داخل العراق وشبكة المرتبطين به .

وفي عهد قيادة (أبي عمر البغدادي ) عايش التنظيم فترة مظلمة في مسيرته القتالية أو ( الجهادية ) بحسب مصطلحاتهم ، فابي عمر لم يكن بمستوى موازي لفكر وعقيدة  الزرقاوي القتالية  واضطر التنظيم لمبايعته كونه أكثر القيادات العراقية ملائمة لهذا المنصب الجسيم وجاء اختياره لأدراك تنظيم القاعدة الرئيسي لوجود اعتراضات في صفوف العراقيين على تنصيب (أبي حمزة  المهاجر،مصري الجنسية ) زعيما لفرع القاعدة في بلاد الرافدين ، لذا تراجعت قيادة القاعدة عن قرار تنصيب (ابي أيوب المصري، أبي حمزة المهاجر) ونصبت ( أبا عمر) زعيما لفرع القاعدة في العراق وعينت (أبو أيوب المصري وزيراً للحرب ) وهكذا تم تدارك الموقف من جديد .

 

قيادة فرع التنظيم في العراق ، أدركت  بان مشروع الصحوة الذي أطلقه الامريكان بدأ يجذب العديد من من قيادات ومقاتلي بعض فصائل المقومة العراقية و وأدركت أيضا أن المخابرات الامريكية قد استطاعت اختراق صفوف  قيادات مجلس الشورى وأن ايران هي بدورها قد تمكنت بطريقة أو باخرى من شق هذا الصف وتغلغلت في فرع التنظيم .
فعمل التنظيم على تصفية كل مشكوك في أمره ولو قيد شعرة وبهذا حافظ التنظيم على قيادة الساحة القتالية وتخلص من ارتباطه العضوي بالتيارات الجهادية السنية الاخرى ولربما كان هذا الامر هو ما تسبب بمقتلهما في غارة أمريكية على موقع سري قرب بحيرة الثرثار عام 2010.

 

في أواخر أيامه كان التنظيم قد تراجع بشكل كبير عن نشاطه اذ كانت العشائر العربية السنية ونتيجة تصفية ابنائها قد حملت السلاح بوجه القاعدة عقب تلقيها السلاح والدعم المادي من الامريكان

وبعد الانقلاب على مجلس شورى المجاهدين واستئثاره بالسلطة ، تراجع نفوذ التنظيم وتقوقع في مساحات ضيقة لكنه تعايش وتكيف في صحراء الانبار وبادية الموصل .

وجاء تنصيب أبي بكر البغدادي ، خلفا لأبي عمر البغدادي ، تتويجا لمرحلة خطيرة ، مرحلة تحول وانسلاخ عن القاعدة واعلان تشكيل  تنظيم الدولة في العراق ومن بعده تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ، ذلك التنظيم الذي تغلل الى مديات أكثر عنفاً وأكثر دموية انتهجت مبدأ المسك بالارض وعملت على تحقيقه من خلال ما سمي بهدم الاسوار واقتحام السجون (ابو غريب وسجن التسفيرات في تكريت و سجن بادوش في الموصل  ) وقبل ذلك استغل المناخ المعادي للحكومة العراقية و التظاهرات الحاشدة التي انطلقت في المدن السنية اعتراضا على سياسات حكومة نوري المالكي والظروف القاهرة التي كانت تمر بها تلك المدن ليعد العدة و يبسط سيطرته في حزيران من عام 2014 على مدن ( الموصل و صلاح الدين و الانبار واجزاء كبيرة من كركوك )

ليحكمها لأكثر من عامين ونصف العام قبل ان تتمكن القوات العراقية من استعادة تلك المدن وقد احالها القصف الجوي من قبل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية والقتال من شارع الى شارع ، الى خرائب ومدن أشباح .

وداعش ، خرج من رحم هذه الاهوال و الصراعات وتفشى كحالة وبائية متكيفة مع المصل المضاد ، وهو سليل العقلية والنهج (الجهادي) الذي وضعه الزرقاوي ، الذي أحبه العراقيون الناقمين على السلطة الجديدة وعلى الامريكان .

والان وبعد انحسار وتراجع مناطق نفوذه ومقتل أبرز قادته الاسطوريين (أقله في ذهنيه مؤيدي الفكر المتطرف) وتعطل ماكنته الاعلامية ،هل انتهى ؟ أو قضي عليه ؟ أو هل سيتراجع عن خلافته المعلنة؟ وهنا اريد أن اشير بأن اعلان الخلافة الاسلامية ، كانت الغلطة الاستراتجية الكبرى للتنظيم وهي التي تسببت  في تجحفل الجيوش عليه و المسارعة للقضاء عليه بأي ثمن كان وهو أمر لم يتحقق فطالما بقي البغدادي حياً، سيظل التنظيم في فكر إقامة الخلافة من جديد وحتى إن قتل لن يتأخر التنظيم في إيجاد بديل ولكن من هو بديل البغدادي ؟ هذا ما لانعرفه حتى الساعة ، فكما قلنا أبرز الامراء قد قضوا نحبهم في المعارك الطاحنة التي خاضها التنظيم .

أما عن أرض الخلافة التي سيبحث عنها أنصاره فلن تكون برأي في منطقتنا أو في منطقة الشرق الاوسط وخصوصا في العراق والشام ، فعندما دعا البغدادي أنصاره في احدى خطبه أن (ينفروا خفافا و ثقالا) فهمنا أو فهم الكثيرون  بانه يدعو الى الهجرة الى أرض خلافته في العراق و الشام ، لكنه كان في نفس التوقيت يرسل أقرب المقربين اليه الى الدول الافريقية وخصوصا الى ليبيا الذي ارسل اليها ساعده الايمن (أبو نبيل الانباري ) والذي كان والياً لصلاح الدين في العراق ليكون والياً على ليبيا وفي الاثناء نشر التنظيم صور أفواج من مقاتليه الاجانب وهم يمزقون ويحرقون جوازاتهم كدلالة لبقائهم و استماتتهم للدفاع عن أرض الخلافة ، تمكن في نفس التوقيت المئات منهم من عبور شواطيء الابيض المتوسط والعودة الى اوربا وبدءوا بشن هجمات دموية وعلى الاغلب ، نشرت صور حرق الجوازات بعد تمكن العديد من انجاز مهمة الرسو في الشواطيء الاوربية .

اذا من أي البلاد سيعلن التنظيم عن وجوده ؟ أعتقد بان اختيار مكان بعينه ليكون عاصمة له سيكون أمراً صعبا ، كونه سيتهدف من قبل جيوش العالم وستدمر حواضنه مثلما حصل في العراق و سوريا ، وقد فقدَ الالافَ من مقاتليه وقضى العشرات من خيرة أمراءه في الحروب والغزوات الدموية ، لكنه في المقابل يملك أموالا طائلة ( من بيع الاثار والنفط والفدية عن المختطفين ) ويملك ما تبقى من ماكنته الاعلامية و خبراءه العاملين في الشبكة العنكبوتية ، وما ينقصه هو التفاهم مع دولة أو نظام معادٍ للغرب أو للولايات المتحدة وهم كثيرون ، ليخوض هذه المرة معركته الجديدة ليس على الأرض وفي الخنادق بل في الفضاء الالكتروني السيبرياني،  موقعاً خسائرَ أكبر من تلك التي تسبب بها نتيجة معاركه خلال السنوات الماضية على الارض ، طبعا مع الابقاء على جزء من عملياته العسكرية على الارض ، فهو لايستطيع العيش دون إراقة للدماء .

لكن تخيلوا آثار هذا التحول وانتقال غزوات التنظيم الى غزوات الكترونية ، تخيلوا حجم الكارثة ، فلربما تجرب مدن غربية ما نعيشه من نقص في الخدمات العامة وانقطاع للطاقة و الكهرباء واقفال للبورصات والحسابات ، مجرد تخيلوا ...

النهاية .