في "المنطقة الآمنة"...؟

بغض النظر عن تربص تركيا الدائم بالقضية الكوردية ، فإن ما يجري اليوم هو مختلفٌ عن كل ما جرى ويجري في مقاربة تركيا  للحالة الكورديّة، فالذي يحدث اليوم هو تجزأة المجزأ للجسد الكوردي، فإذا كان اقتطاع عفرين قد شكّل مفارقة جسيمة في تاريخ الحالة الكورديّة السوريّة فإنّ ما يحصل اليوم مع كورد سوريا بمثابة ضربة قاضيّة للحالة.

قال الأتراك علناً بأنّ الهدف العميق لاقتطاع عفرين عن بقيّة المناطق الكورديّة هو قطع الطريق أمام الكورد باتجاه البحر، وبدا انّ هدفهم، في هذه المرة ، أن تكون المنطقة الواقعة بين كري سپي/تل أبيض وسري گانييه/ رأس العين هي المنطقة الآمنة ما هو إلا  لقطع الصلة بين كُوباني والجزيرة.

بمعنى آخر إنّ الأتراك لم يتوانوا يوماً عن تمزيق المشهد الكوردي، فبدأوا في تمزيق المشهد السياسيّ من البداية وانتهى بهم الحال إلى التمزيق السكاني فالجغرافي.

والحق إنّ لتركيا هدفان، ولا يقف هدفها في حدود تجزأة المجزأ للحالة الكورديّة بقدر ما انّ لتركيا أهدافاً استراتيجيّةً لها بُعد تاريخيّ وتجاري واقتصاديّ، فإن إصرارها على أن تكون عمق المنطقة الآمنة ٣٢ كم لا يعني بالضبط السيطرة على المنطقة الكورديّة، انّما يعني بالإضافة إلى سيطرة على المنطقة الكورديّة السيطرة على الطريق التجاري الواصل من سوريا الوسطى إلى الموصل.

ولا نستغرب، بأنّه، قد ينجح الأتراك في التأثير على مجريّات الأمور كورديّاً، وحتى هذا الأمر فيه صعوبة، ولعل السبب يعود إلى انه اذا كان الأتراك قد استغرقوا في سيطرتهم على عفرين ٥٨ يوماً مع انّ عفرين كانت محاصرة من كل الاتجاهات، فكم ستطول مع الاتراك مدة الحرب في منطقةٍ تشمل أراضيها  ثلاثة محافظات ومفتوحة الطريق من جهة الشرق بأضعف الايمان؟!

وكما إنّ الوضع بات أصعب مع الاتراك وهم من يسيل لعابهم عندما يمتد أطماعهم في السيطرة على الطريق التجاري الممتد من سوريا الوسطى وصولاً الى الموصل، فهنا قد ينطبق على حالة الاتراك مثلٌ عربيّ"أكلوني البراغيث!".

والحال، فإذا كان تمسك الأتراك  بالحدود قد يلامس المصلحة الكورديّة ويؤثر في تطور الحالة الكورديّة فانّ محاولة الأتراك  السيطرة على الطريق التجاري"رودكو" يلامس المصالح السوريّة الوطنيّة والعربيّة الخليجيّة بشكل مباشر، والسؤال، هل سيسمح العرب للأتراك بهذا النفوذ؟

بقي القول، إن الحالة الكورديّة لم تعد كما كانت حالتهم أبان لوزان أو قبل ذلك سايكس - بيكو، فإذا كانت قضيّة الكورد قبل مائة عام قضيّة الدول الأربعة فإنّ قضيّة الكورد اليوم هي قضيّة الجزء الكبير من العالم، فإنّ تعدد النفوذ في منطقة الكورد لا يعني تقاسم الشر على الكورد، وإن كان المنطق قبل مائة عام هكذا،انّما تشكّل النفوذ المتعدد الاوربي- العربيّ والأمريكي لا يحمي الكورد من الإبادة بقدر ما إنّ النفوذ تلك هي بمثابة صياغة نموذج التعايش ليس بين السكان من الخلفيات الثقافية المختلفة انّما نموذج لتعايش المصالح وتنقّل البلاد من حالة لا حتمية الحرب إلى حتميّة العيش بالرضى القسري اذا فشل خيار "الرضى الطوعي"!

وحكمة المقال تفيد" لا تنبش القبور إنْ لم تكن من أهل الموتى، فالنابش قد لا يخرج من القبور إلا ملدوغاً".