العراق يخرج من العباءة الإيرانية

تتسع مخاوف العراقيين من أن يتحول بلدهم، ساحة صراع عسكري عنيف بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تصاعد العقوبات الأميركية وتكثيف الاعتداءات المشبوهة، التي تنفي طهران المسؤولية عنها، رغم أنها تشكل ترجمة واضحة لسياستها المعلنة تكراراً، من أن منعها من تصدير نفطها سيدفعها للعمل على منع تصدير النفط من منطقة الخليج.

ورغم أن الولايات المتحدة جددت للمرة الثالثة تباعاً استثناء العراق من العقوبات حيال النفط الإيراني، الذي يمكن أن يسلك طريقاً التفافياً لتصدير كميات من نفطه عبر البوابة العراقية، فقد كان من غير المفاجئ أن تعلن الشرطة العراقية يوم الأربعاء الماضي، عن سقوط صاروخ قرب مقرات لعدة شركات نفط عالمية كبيرة، بينها شركة «إكسون موبيل» الأميركية العملاقة في مدينة البصرة، ورغم وجود مقرات لموظفي شركتي «شل» الهولندية و«إيني» الإيطالية في المنطقة، أعلنت الشركة الأميركية أنها تعتزم إجلاء موظفيها الأجانب من البصرة!

والمعروف أن شركة «إكسون موبيل» كانت قد أجلت كل موظفيها من حقل «غرب القرنة 1» إلى دبي في 18 مايو (أيار) الماضي، وتبيّن الآن أن القوى الأمنية العراقية هي التي كانت قد حذّرت عدداً من الشركات الأجنبية من أن لديها معلومات، عن احتمال استهداف موظفيها من قبل ميليشيات موالية لإيران، وتبع ذلك قيام السفارة الأميركية بترحيل موظفيها غير الأساسيين من بغداد، بعد تلقيها المعلومات الاستخبارية عن خطط إيرانية تستهدف المصالح الأميركية في المنطقة!

يوم الأربعاء لم يقتصر الأمر على استهداف المقرات النفطية وحدها، فقد أعلن الجيش العراقي عن سقوط صاروخ قرب قاعدة عسكرية أميركية في مدينة الموصل شمال العراق، في ثاني حادث من نوعه خلال يومين، وتأتي هذه الحوادث بالتوازي مع مسلسل الاعتداءات على ناقلات النفط، الذي تتهم واشنطن طهران بالمسؤولية عنه، سواء مباشرة أم عبر الميليشيا التي تقودها في المنطقة، مع ارتفاع المخاوف من نشوب الحرب، كان من حق، لا بل من واجب المسؤولين العراقيين أن يسعوا إلى تحييد بلادهم، عن أن تكون ساحة معركة في البر، بالتوازي مع أي معركة بحرية قد تنشب، ربما لهذا بدا بيان المرجع الشيعي الأعلى، الذي له احترام كبير، علي السيستاني يوم الجمعة الماضي، كأنه صرخة قوية في وجوه المسؤولين، عندما شنّ هجوماً حاداً على الواقع المقلق في البلاد، داعياً إلى إصلاح الوضع السياسي والحكومي الغارق في الصراعات والمناكفات، ومحذراً من أن الصراع على المناصب والفساد المستشري في الدولة يهيئان لعودة «داعش».

انتقد السيستاني التكالب على المناصب الوزارية، ذلك أن الحكومة التي شكّلها عادل عبد المهدي ما زال ينقصها 4 وزراء لمقاعد الدفاع والداخلية والعدل والتربية، والمعروف في السياق أن الخلاف على وزارة الداخلية تحديداً يقوم بين مقتدى الصدر زعيم كتلة «سائرون» النيابية الكبيرة، والذي يعارض التدخلات الإيرانية في الشؤون العراقية، وبين هادي العامري من «الحشد الشعبي» ورجل إيران، وهو ما يعطل استكمال الحكومة، ولهذا أيضاً جاء تحذير الصدر قبل يومين متلازماً تقريباً من غضبة السيستاني، عندما هدد بأنه سيعود إلى التحركات الشعبية في الشارع، إن لم يتم استكمال العقد الحكومي في خلال 10 أيام!

فور صدور بيان السيستاني عُقدت قمة عراقية يوم الثلاثاء الماضي، استضافها الرئيس برهم صالح، وحضرها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وصدر عنها بيان رئاسي ووثيقة سياسية، يحملان في جوهرهما ما يمكن اعتباره محاولة عراقية متقدمة وواضحة، تهدف إلى الخروج من العباءة الإيرانية، التي باتت تهيمن تقريباً على كل شيء فيه، وخصوصاً عندما يقول المسؤولون في طهران إنهم باتوا يسيطرون على بغداد، وإنهم يعتبرونها «عاصمة إمبراطوريتنا»!

صحيح أن القمة العراقية أكدت تمسكها برفض إقامة أي قواعد عسكرية على أراضيها، وهو ما يرضي إيران التي تعارض الوجود الأميركي في العراق، لكنها رحبت باستمرار تعاون التحالف الدولي بقيادة واشنطن أمنياً واقتصادياً وإعماراً ودعماً للنازحين، وأن العراق يرحب بهذه المساعدات الخارجية، وهو ما يزعج طهران طبعاً، لكن ما يثير غضب النظام الإيراني وقلقه أكثر هو التبني الحرفي لوقف السيستاني، الداعي دائماً إلى حصر السلاح في يد الدولة وتعزيز تكامل – لا تقاطع – أجهزتها الأمنية، وهو ما يشكل بوضوح دعوة إلى وضع حد لحركة وتصرفات «الحشد الشعبي»، الذي يديره الإيرانيون كجيش رديف في العراق!

الحكومة العراقية بدت جادة في هذا، عندما أعلنت يوم الأربعاء أنها تمنع أي تحرك أجنبي أو ميليشياوي من دون موافقتها، وأنها تحظر على أي قوة مسلحة عراقية أو غير عراقية خارج قواتها المسلحة، أو خارج إمرة قائدها العام وإشرافه، إضافة إلى منع أي قوة خارج إطار القوات العراقية، من القيام بأي عمليات أو الاحتفاظ بمخازن أو صناعات خارج معرفة القوات المسلحة وبمعرفتها، ومن الواضح تماماً أن هذا يستهدف وضع حد إذا أمكن لقوات «الحشد الشعبي» التي تأتمر بطهران.

الوثيقة السياسية التي صدرت عن القمة العراقية تقول صراحة للتمادي الإيراني في التدخل بتفاصيل الشؤون العراقية: «كفى»، وتشددُ على رفض سياسة المحاور، وتجنّبِ أن يكون العراق ساحة لتسوية الخلافات وتصفية الحسابات أو منطلقاً للعدوان على أي دولة أخرى. ومن مصلحة العراق العمل مع شركائه في دول المنطقة لإنشاء منظومة إقليمية مبنية على المصلحة الأمنية المشتركة والتكامل الاقتصادي مع جواره الإسلامي وعمقه العربي، ويستند إلى مبدأ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

واضح تماماً أن العراق يحاول فعلاً إنهاء الوصاية الإيرانية عليه، التي أخذت بعداً عميقاً، وخصوصاً التدخل العسكري، بعد سقوط الموصل وقيام «داعش»، ودعوة القمة العراقية إلى تعزيز العلاقات وتمتينها مع الجوار والعمق العربي والإسلامي، ما يشكل نوعاً من إشعال الضوء الأحمر في وجه إيران، التي تتصرف كأن العراق مجرد جسر عبور إلى المنطقة، ومجرد قاعدة للانقضاض والتدخل في شؤون الدول العربية المجاورة.

كل هذا ليس جديداً، فقد سبق للسيستاني، الذي استقبل حسن روحاني ومحمد جواد ظريف في 13 مارس (آذار) الماضي، أن قال لهما بالحرف إن السيادة العراقية يجب أن تحترم، وأن تبقى الأسلحة في يد الدولة، في إشارة واضحة إلى «الحشد الشعبي» الذي تديره طهران مباشرة. ويومها، قال بيان من مكتب السيستاني، الذي سبق له أن رفض استقبال الرئيس محمود أحمدي نجاد واللواء قاسم سليماني، إن أي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه، أساسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وليس خافياً أن هذا الكلام الذي قاله السيستاني مباشرة لروحاني يعني؛ كفى أوقفوا التدخل في شؤون العراق. وهو ما كررته القمة العراقية يوم الثلاثاء الماضي!