الوساطات الخارجيّة..

تاريخ الوساطة بين الأحزاب الكوردية تاريخ طويل، وشهد هذا المشهد الحزبي عدد من الوساطات، ولا يقف حدود الوساطة بين حزب وآخر انّما بين أقطاب الحزب نفسه، ومثلها لا تقف حدود الوساطة في الوسيط الكورديّ انما امتد ليصل الى الوسيط الأجنبي، والحق انّ تأثير الوسيط الأجنبي بدا له فعاليّة أكبر، وتراءا لنا بأن الكل ينتظر دور الوسيط الأجنبي!

الوساطة عامل مهم في حل النزاعات وتطبيع الأوضاع، ولولا الوساطة لحدثت الحروب وتمزقت الدول والكيانات، بيد انّ نوعيّة الوساطة هي محل الاشكال.

في الساحة الكوردية، والحديث دائماً عن روجآفا، لم يبق طرف إلا عمل كوسيط، حتى حزب سياسيّ منشق ساهم ليكون وسيطاً لدى حزب آخر يشهد في كيانه خلافات. عندما انخرطنا في الشأن العام، كنا نسمع " لجنة المساعي الحميدة" وهي لجنة غالباً تتركب من شخصيات فاعلة اجتماعيّة، وغالباً هذه اللجنة، لجنة المساعي الحميدة، لم تحل المشاكل الحزبيّة انّما عملت لتحل الخلاف على مستوى الاشخاص القياديين الحزبيين، بمعنى حدود فعالية تلك اللجنة تكمن في مدى استثمار ثقله الاجتماعي للتأثير على الأشخاص لا على المنظومات الحزبيّة، وهذا يدل على ان الخلاف بين ااشخصيات الحزبيّة ليس خلافاً فكريّاً بقدر ما ان هذا  الخلاف خلاف الأشخاص تنحصر سبب الخلافات حول "الامتيازات" أو "المناصب" الحزبيّة.

بيد انّه لم تحل هذه اللجنة أي مشكلة حزبيّة بنيويّة، انّما ساهمت ولعبت أدواراً في التهدئة وتأجيل تفاقم الأزمات التي شهدتها أحزابنا؛ وسرعان ما انتقلت شكل الوساطة من الشخصيّات الإجتماعيّة إلى الشخصيّات المثقفة، أو لنقل النخبّة من الدكاترة أو الشعراء أو المهندسين أو الروائيين ومتابعوا الشأن الحزبي بالعموم ليتحوّل شيئاً فشيئا ليلعب الحزب نفسه دوراً وسيطاً بين الأحزاب الاخرة أو دورا وسيطا بين افراد الحزب نفسه، ولا يذكر التاريخ الكوردي أي نجاح لوساطات من هذا النوع.

ولا نستغرب انّ الوساطة الكوردستانيّة أيضاً أفشلوها خلافات أحزابنا، وهنا نبرز مثلاً لا الحصر، حيث بوجود ثلاث اتفاقات بين أحزابنا(هولير ١، هولير٢، دهوك)، والذي رعاها كل هذه الاتفاقيّات الرئيس مسعود بارزاني نفسه؛ وعين أحزابنا على العامل الوسيط الخارجي. في البدء انتظر بعض من الاحزاب-وحتى من الاحزاب التي تأخذ في نهج البارزاني منهجاً، وتقيم قياداتها في هولير- أن يلعب أمريكان دوراً في تطبيع الوضع الداخلي السياسيّ الكورديّ، والآن حديث يدور حول الوساطة الفرنسيّة.

ولا نستغرب، انّه حتى انّ أحزابنا انتظرت مطولاً لتعلب المنظمات المدنيّة الخارجيّة دور الوساطة. في العموم، انّ الُمتأَمَل هو كسر الجدار، اي تطبيع الاوضاع سياسيّاً، لكن ما هو مثير للانتباه هو اذا تهربّت الأحزاب من ثلاث اتفاقات دوِنَت بنودها برعايّة الرئيس، فكيف بها القبول بالوسيط الخارجي؟

بقي القول، انّ ما تعانيه أحزابنا هو ضياع البوصلة، وتعيش في حالة من التباك في تحديد من يبكي على مصلحة ناسنا ومن يستثمرها سياسيّاً، الاتفاقات الناضجة هي الاتفاقات التي تم توقيعها- حتى لو أعادوا النظر في بنودها لان الأزمان مختلفة ، وهناك كثير من المعطيّات الجديدة ظهرت على السطح- استجابة لاستحقاق المرحلة على الأقل كُرديّاً!

وحكمة المقال تفيد بأنه" الكل في جنازة يبكي على موتاه"!