وثيقة مكة.. عن قيم الاعتدال والوسطية

قبل انطلاق قمتي مكة اللتين تسبقان قمة العالم الإسلامي، كانت السعودية بقيادة الملك سلمان تعيد التأكيد ومن جديد على الثوابت التنويرية التي تمضي في طريقها، من أجل عالم أكثر تسامحاً وتصالحاً، عالم يعود بالإسلام الحنيف إلى قيم الوسطية والاعتدال، وإلى قبول الآخر والتعايش الإنساني الخلاق.

مبهجة للنفس وسارة للعين وثيقة مكة، بما فيها من قيم أخلاقية وإيمانية جليلة، تعبد الطريق للسائرين على دروب الصراع العرقي، ورافعي رايات القوميات والعصبيات، وأولئك المتمترسين وراء عوالم الأرثوذكسية السياسية غير الخلاقة، أو الجمود السيكولائي الاجتراري الذي عانت ولا تزال تعاني الأمة منه من شرقها إلى غربها.

قبل القمم التي تجيء في الوقت القيم والحساس، تجمع المملكة في أم القرى رجالات أديان وفكر وثقافة واجتماع من أنحاء الأرض، بعدد يبلغ 1200، من 19 دولة، يمثلون 27 مكوناً إسلامياً من مختلف المذاهب والطوائف، وفي طليعتهم كبار مفتيها ليقروا وثيقة تضحى دستوراً تاريخياً لإرساء قيم التعايش بين أتباع الأديان والثقافات والأعراق والمذاهب والطوائف في البلدان الإسلامية من جهة، وتحقيق السلم والوئام بين مكونات المجتمع الإنساني كافة من جهة ثانية.

النرجسية المستنيرة التي نتلمسها في هذه الوثيقة موصولة بمكاشفة الذات ومصارحتها، ثم إعادة البناء من جديد، بمعنى أنها تسعى أول الأمر إلى تفاهم وجداني وإيماني بين العالم الإسلامي وبعضه البعض، تجنباً للفتن، وسعيا للسير على دروب الوئام، وتاليا تفتح الأبواب واسعة أمام التلاحم بين العالم الإسلامي وشعوب الكون قاطبة.

يمكن للمرء أن يتلمس رائحة ذكية في وثيقة مكة من روائح الحضارة العربية والإسلامية القديمة، تلك التي فتحت أبواب الاجتهاد والتجديد، والتي ضمت تحت جناحيها الكثيرين من غير المسلمين، أصحاب الحضارات والفكر والعلوم، وبهذا كانت رائدة وهي تتلمس طريقها إلى العالمية التي حققتها، لا سيما عندما أدرك القائمون عليها أن حكمة الخالق هي في خلق الناس شعوبا وقبائل، وأن مصالح العباد في التعارف والتلاقي، وما نسميه اليوم فرحة اللقاء.

تجيء وثيقة مكة حاملة في الوقت عينه إشارات لا يمكن للمرء أن يغفلها متصلة بجزء من العالم الإسلامي، لكنه يسعى دوما للتمايز العرقي، ولا يكف عن نشر الفوضى وإثارة القلاقل من حوله، وما أبعد هذا التفكير عن جوهر التدبير الديني والإيماني الإسلامي، الذي حث الناس على التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

توصي الوثيقة بعدم التدخل في شؤون الدول مهما تكن ذرائعه المحمودة، معتبرة إياه «اختراقاً مرفوضاً، لا سيما أساليب الهيمنة السياسية بمطامعها الاقتصادية وغيرها، أو تسويق الأفكار الطائفية، أو محاولة فرض الفتاوى على ظرفيتها المكانية، وأحوالها، وأهدافها الخاصة، إلا بمسوغ لمصلحة راجحة.

هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن تنطلق من مكة المكرمة وثيقة تدعو لتعزيز فكر وطرح الحوار الحضاري، بصفته أفضل السبل في توقيت تعلو فيه أصوات اليمين المتطرف والمتشدد في أوروبا بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟

لا يهم الجواب، ما يهمنا هو نحن، وما نحن عليه من ترقٍّ أخلاقي وإنساني، وبخاصة أن الوثيقة التي بين أيدينا تدعو لسن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية.

جميل جدا أن تدعو الوثيقة إلى إزالة الركام الذي علق بصحيح الإسلام في عقود سابقة، إذ تنادي بأن التعرف على الإسلام يستدعي الرؤية الموضوعية التي تتخلص من الأفكار المسبقة، لتفهمه بتدبر أصوله ومبادئه، لا بالتشبث بشذوذات يرتكبها المنتحلون لاسمه، ومجازفات ينسبونها زوراً إلى شرائعه.

حين تصدر هذه الرؤية من مكة قلب الإسلام النابض فإن أحداً لا يمكنه أن يزايد عليها، إنها دعوة صادقة لإيقاف خطاب العنصرية والكراهية أيا كان مصدرها وذريعتها.

وعندما يتحدث خادم الحرمين عن الاستماع إلى صوت الحكمة والعقل، وتقبل مفاهيم التسامح والاعتدال، مع تعزيز ثقافة التوافق والتصالح والعمل على المشتركات الإسلامية والإنسانية، يمكن للمرء أن يرى من بعيد فجراً جديداً مبشراً بالخير يخيم لا على مكة فحسب، حيث البيت العتيق، بل على أرجاء الأرض… فجر إنسانية متسامٍ في أعلى عليين متلألئ بأضواء الوسطية والاعتدال.