عندما يكون المجد هدفاً!

في بداية انخراطنا للحياة الحزبيّة، كان المناخ اليساري هو الطاغي في المشهد العام، حتى أحزاب السلطة كانت تدعي باليساريّة، اليسار كان هويّة، وكان يشكل التميّيز، والإفتخار (من خلاله ) بالتقدميّة، في وقت إنّ القوى التي كانت تُحسب على اليمين مضطهدة، وسرعان ما كانت تُخفي نفسها تحت ستار"الاهتداء بالماركسيّة"، بمعنى هذه القوى أيضاً كانت قد أعطت لنفسها دلالة يساريّة؛ إذاً لا صوت يعلو فوق صوت اليسار!

في زحمة طغيان اليسار كنا حتى لو قرأنا أفكاراً من ماركس نفسه تشي بدلالة "لا لليسار" كنا نقفز عليها أو نفسّرها بطريقة ٍ تخدم المنهجية الفكريّة التي كنا نتبعها؛ مثلاً، قرأت من الماركسيّة قولاً يشي بتحسين وضع ما قبل الإنخراط في الشأن العام، مثلاً، لا بد من تأمين"المأوى، الألبسة، الطعام".. وضعتنا هذه الكلمات الثلاثة في حالة من الإرباك، كيف نتحدث عنها،  ونحن نفضل العام على الخاص، وكيف على المناضل أن يبحث عن المستلزمات الحياة لنفسه قبل التفكير بالصالح العام؛ أو لنَقُل المصلحة العامة.

علينا السيّر على منهجيّة اليسار، التي فهمناها بإهمال الذات فداءاً للعام.

وسرعان ما ناقشنا قول" القناعة كنز لا يفنيى" كنا نقف ضد هذه الفكرة، وتسائلنا ترى كيف بالثوريّ الذي يؤسس، ويبحث عن التغيير، الإيمان بـ"القناعة كنز لا يفنى" قلنا عنه بأنه فكرٌ رجعي ومن يُؤْمِن بها لا يمكن أن يكون ثورياً، هي افكار رجعيّة استسلامية لواقع فرضه الطغاة.

بالموازاة لذلك حاربنا مقولة"الغاية تبرر الوسيلة" قلنا عنها، على إنها "لا مبدئيّة".

الغريب في الأمر أنّه بعد سنوات، وقع على آذاننا قول انّ كل ما ورد إلينا من أفكار  كانت مصدرها "البيان الشيوعي-١٨٤٩" وهو البيان الذي مارسناه من وحيه هو ليس البيان الشيوعي اذ الترجمة كانت خطأ.

أمورٌ كثيرةٌ عشناها ومارسناها، وادعينا بها، كانت من موجبات الإستمرار في الحياة النضالية لكنها كانت مشوبة بالخطأ والإلتباس.

معارضتنا لأفكار ميكافيلي ولا سيما لمنطق"الغاية تبرر الوسيلة" دون الولوج بمنطقه الصحيح والذي يفيد بأن هناك أميران، أميرٌ يبحث عن السلطة للإغراق في الفساد من خلال كسبه للمال، وأميرٌ يبحث عن السلطة لتحقيق المجد، وبرأي ميكافيلي الديمومة هي لمن يبحث عن السلطة لكسب أو تحقيق المجد.

استطراداً.. أحد الأصدقاء يشرح لي كيف كان بوسعه ان يجمع المال، لكنه لم يفعل بسبب نزاهته ومحاربته للفساد، لكنه أوحى بشكل أو بآخر ندمه، من خلال سؤاله، ترى، لو جمعت المال ألم يكن ذلك  أفضل ، لكنت الآن قادرٌ على  مساعدة من هو يناضل عن الحق لأجل قضايا ناسنا وهو مفلس؟!

والسؤال، هل، الذي فكر بأنّ المناضل لا يحتاج الى المال إنّما الإرادة، أكان جاهلاً؟!

كلنا، نفكر ونحاسب أنفسنا أحياناً، بأننا أضعنا الفرص لجمع المال، وهذه الفرص كانت كثيرة!

لكن سرعان ما يأتي ببالنا حالة كـ" لا يمكن أن تربح في كل شيء.. النصر  وقوده التضحية!"؛ اذاً لا بد من أن تضحي بشيء لأجل شيء، كمن يضحي بالمال والسلطة لأجل المجد!

وحكمة المقال تفيد بأن " لا يسير الكون بدون توازن؛ وإخلال التوازن هو نهاية الكون؛ وانّ جمع المال والمجد لا يستويان؛ الزبد أن تضحي بشيء لأجل شيء!".