3660 یوما … مذكرات شاب كوردستاني في المعتقلات العراقية 51

 رغم كل شيء، فقد كان عام 1989 مقارنة بالاعوام السابقة، اكثر هدوءا، اروقة السجن لم تشهد اي حدث دموي او مأساوي يستحق الذكر.

  عام 1990

عام الآلام والتعذيب

 ليلة رأس السنة من عام 1990 لم يكن مثل العامين اللذين سبقاه ، فلا اقمنا الاحتفالية الصغيرة بمناسبة حلول العام الجديد، ولا تبادلنا التهاني فيما بيننا ، لان قرارات ادارة السجن كانت تقضي بعدم تجمع السجناء وجلوسهم مع بعض الا لشخصين فقط يمكنهما التحدث مع بعضهما، ولو اجتمع ثالث اليهما لفرضت العقوبة والتعذيب عليهم جميعا. لذلك مرّت ليلة رأس السنة من هذا العام اسوة بباقي الليالي من العام، من دون اية اجواء احتفالية، لاشك ان السجن كان يغص بالنزلاء الذين كانوا في ازدياد مستمرّ مع توالي الايام.

مع ان آلام كليتي بدأت تخف شيئا فشيئا بل باتت في طريقها الى التلاشي، لكن ضجري وقلقي كانا في القمة، خصوصا وانني لم اكن اتوقع اي بارقة امل لشمولي باي عفو منتظر في قادم الايام والسنين. وظروف السجن كانت تسير من السيء الى الاسوء، فقد وصلت الامور حدا بحيث كان يشبعون السجين ضربا امام بقية السجناء من زملاءه، والشيء المرهق والتعيس هو ان لا احدا كان يعرف علة ممارسة هذا التعذيب والضرب الذي كان يمارسه الجلادون بحق السجناء، وتلك الاهانة المعلنة لكرامتهم الانسانية.

 في بداية هذا العام، وفي احد ايامه بينما كنت واحد اصدقائي المقربين جالسين نتبادل اطراف الحديث، قدم عدد من عناصر امن السجن في وقت متأخر من الليل واقتادونا الى غرفة التحقيق. واثناء التحقيق معنا ، كان ضابط التحقيق رجلا ضخم الجثة ثقيل الظل ،  يمسك بكيبل وهو يطوي الغرفة جيئة وذهاباً وبادرنا بالسؤال ، مباشرا التحقيق معنا : "انتما عندما جلستما معا خلال الليل، عن أي شيء كنتما تتحدثان؟"

تضايقت كثيرا من هذا السؤال الفضولي، لذلك اجبته من جانبي: "اننا من اهالي مدينة واحدة ونحن نعيش معا منذ سنين عديدة، هل من الغريب ان نتبادل اطراف الحديث مع بعض؟ ثم ان كنتم تتضايقون من تحدثنا مع بعضنا، لم اعتقلتوننا طوال هذه السنين العديدة وسجنتوننا في قاعة واحدة؟"

اشتاط الضابط من شدة الغضب بسبب جوابي الصادم هذا، وخلال لحظات ارتسمت الخطوط والتعرجات في سنحات وجهه. وترجم الضابط وحرّاسه غضبهم بسيل من الضربات بالركلات والصفعات والكيبل بحقنا نحن الاثنين. وبعد ان اشبعونا ضربا، اوقفنا على قدم واحد لمدة قرابة ساعة كاملة، وكلما شعرنا بالكلل والارهاق وحال تنزيل قدمنا المعلق، كانوا ينهالون علينا بسيل من ضربات الكيبل. استمر تعذيبنا على هذا المنوال حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. واخيرا وفي ذلك الشتاء القارص وفي الممرات الباردة للسجن، سكبوا على كل واحد منا سطلة ماء بارد، وامعانا في تعذيبنا قام حارسان بملاحقتنا بضربات الكيبل حتى وصولنا القاعة. وحال وصولي القاعة استقبلني عزيز لازار واحتضنني. خلال تلك الليلة قام السجناء بخدمتنا واتوا لنا بالملابس والمأكل. كان خلال هذه المدة العديد من العناصر السيئة والجواسيس المتواطئين مع مسؤولي السجن مندسين بين نزلاء القاعة، لذلك حينما كان يقتاد احد السجناء نحو غرفة التعذيب، كان الآخرون يتعاطفون ويتضامنون معه قدر الامكان ويحترمونه كثيرا.

الرفيق بولا (هاوري بولا) كان محل احترام وتقدير اغلب نزلاء السجن وكانوا يتعاملون معه بمزيد من الاحترام. فبولا كان يخدم جميع زملاءه السجناء، وكان شابا شجاعا مقداما لا يهاب المخاطر، كان دوما يرد ويجيب بغضب وكبرياء على الجلادين ولم يكن يهادنهم ابدا، لذلك كان يتعرض باستمرار للعقوبات والتعذيب من قبل الجلادين، وكانوا يستخفون به ويحقرونه في مسعى منهم لكسر شوكته وكبرياءه اللذان كان ينال منهم في الصميم، وان كان اسير قضبان السجن.

وخلال هذا الشهر بالذات، انتشرت شائعة تقول بان عفوا عن السجناء سيصدر قريبا، ومن بعده وفي غضون الاحتفاء بعيد ميلاد الدكتاتور صدام حسين والذي كان يصادف يوم 28 نيسان، صدر قرار عفو خاص عن السجناء. وقد شمل هذا العفو 100 شخصا من المحكومين باحكام بسيطة. ونحن خلال هذه الفترة قد حصلنا على خبرة واسعة حول انماط العفو التي كانت تصدرها السلطات البعثية، فما ان يتم قراءة خبر العفو عبر التلفاز، كنا نعلم في الحال من يشمله هذا العفو. ومن اجل اجتياز حالات الملل والضجر داخل جدران السجن، بدأنا كرّة اخرى الاهتمام بالرياضة وتمارينها. وحالما كانت السلطات تشعر باننا نشعر بالارتياح من خلال ممارسة التمارين والالعاب الرياضية، كانوا يبادرون الى منع ممارستنا الرياضة. وكأنه محكوم علينا العيش بتعاسة.

 الرياضة تسليتنا المفضلة

 احد السجناء العرب الذي كان صديقا قريبا لي، كان شابا اريحيا اسمه خالد عياش. انا وخالد كنا في نفس العمر وقد تم اعتقالنا خلال فترة متزامنة واودعنا السجن. نحن الاثنان قد كبرنا وسط جدران السجن، كل هذه المشتركات خلقت نوعا من الالفة والود والاحترام المتبادل بيننا نحن الاثنين. كان خالد رياضيا متمكنا ولاعب ممتاز في لعبة كرة القدم. والرياضة جعلته بمعزل عن اي موضوع يتعلق بالسياسة، كان يمضي وقته بالرياضة واللعب فقط. اسسنا باشراف خالد ومشاركة عدد من السجناء الآخرين فريقا رياضيا باسم فريق السلام. وفريقنا الخاص بقاعتنا كان يلاعب باقي الفرق الرياضية في الاقسام الاخرى من السجن.

توجهنا بطلب الى مدير السجن بان يسمح لنا اللعب مع فريق قسم الاحكام الثقيلة في السجن، بعض الاحيان كانوا يسمحون لنا اللعب واحيانا اخرى كانوا يرفضون طلبنا. حرّاس السجن قاموا من جهتم بتشكيل فريق كرة قدم. وفي كثير من الاحيان كنا نلاعب فريق الحرّاس. وخلال المباريات التي كنا نجريها مع فريق الحرّاس، كانت اجواء الروح الرياضية هي التي تسود اجواء اللعب وكنا نمزح مع اعضاء فريق حراس السجن. لكن مع انتهاء المبارات كان الحرّاس يعودون الى صبغتهم كونهم جلادين ونحن سجناء رهن ارادتهم. وكانوا يمارسون نفس التصرفات المتعجرفة ضدنا وكأنهم لم يكونوا اولئك اللاعبين الذين كانوا يمزحون معنا قبل قليل في ساحة اللعب.

وخلال هذه المدة تم تعيين العديد من الضباط والحراس والجلادين الصلفين القبيحين الغضبون الذين لا يفقهون الامور الا باشكالها وصيغها المعاكسة، وذلك لتعزيز اجراءات الحراسة وممارسة التعذيب والتضيّق بحق السجناء. وفي مقدمة المنتسبين الجدد هؤلاء من حيث سوء تعاملهم مع السجناء كان كل من الملازم احمد والمفوض شلال، اللذان كانا يمارسان السلوك الخشن بحق السجناء وكانوا يستخفون بنا ويستحقروننا يوميا. وكل ليلة كانا يمسكان بها الخفارة الليلة للقاعة، كنا نحسّ وكأننا مودعين في غرفة الاعدام، كانا رجلان عبوسان، لا يسمع منهما حسن الكلام ابدا، كانا يتحججان بالسجناء من دون سبب او علة ليقتادوهم الى غرفة المحجر وهناك كان يتعرض السجين للضرب والتعذيب من دون اي ذنب. وبذلك فقد كان السجناء عامة حاقدين ناقمين على هؤلاء الاثنين وكانوا يتمنون يوم نقلهما ورحيلهما من السجن.

ازاء هذه الاوضاع المتأزمة مع هذان الجلادان، كنا في تفكير دائم لايجاد مخرج، لكن بسبب الجواسيس كان يتعذر علينا التحدث بشكل معلن حولهما. الملازم احمد والمفوض شلال علاوة على طباعهما السيئة، كانا يتقاضيان الرشاوى من السجناء. كنا نتحين الفرصة حتى سنحت لنا فرصة التعرف على ضابط في قسم المخابرات. وقد تيسر لنا التعرف على هذا الضابط من خلال المباريات الرياضية التي كنا نجريها في ساحة القسم.

كان هناك قسم يدعى قسم المخابرات في سجن ابوغريب، وكان في هذا القسم عدد من السجناء الخاصين، تم سجنهم في قاعة خاصة بذلك القسم وكان يحوي كل المستلزمات الضرورية. منتسبي قسم المخابرات كانوا اعلى سلطة وصلاحية من كافة مسؤولي السجن وعناصر الامن ايضا، لاننا كنا نلاحظ بان الحراس والجلادون والضباط يخشون ضباط المخابرات ويتحاشونهم من باب الخشية. وسجناء قسم المخابرات كانوا من كبار مسؤولي المخابرات تم سجنهم بمدد متفاوتة وبشكل مؤقت في قاعة سجن نموذجية لا ينقصها اي شيء من اسباب الحياة. مسؤول قسم المخابرات كان هذا الضباط (النقيب فلاح) الذي تيسر لنا التعرف عليه اثناء احدى مباريات كرة القدم التي كنا نمارسها.