"ترياق الشفاء" للأزمة بين إيران وأمريكا

في الأزمات المزمنة غالبا ما تكون الحلول "خارج الصندوق" ووحده ترياق الشفاء الذي يحسن الطبيب فيه تشخيص العلة. "الأعدقاء" الأمريكيون الإيرانيون (أعداء بعد أن كانوا أصدقاء)، قادرون على حل أزمتهم المزمنة إن أحسن كل من الطرفين تشخيص مصلحته ومصلحة الطرف الآخر.  

قد أكون صادما في تفاؤلي أو ساذجا لكني على يقين بأن من سيرفع الهاتف و"يرن" أولا تلبية لعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام لتزويد الإيرانيين برقم الاتصال به، هو أحد أعضاء أو وكلاء أو وسطاء "مجلس تشخيص مصلحة النظام" وهي هيئة أرجو صادقا أن يكون لها من اسمها حظ ونصيب. 

إن أحسنت تلك الهيئة التي تدين بالولاء الفقهي للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران عملا بولاية الفقيه لكنها كما عرف عنها تسمح للخبراء بالإدلاء بآرائهم بتجرد ولكن بطبيعة الحال بتكتم شديد وتقية أكثر شدة. 

للمجالس أمانات كما يقال تبدأ بأمانة الصدق بالنصح، ومن هنا لا يعقل أن يتماهى رأي أهل الاختصاص من خبراء المال والاقتصاد لا بل الأمن والسياسة من الناحية العملية الصرفة مع فتاوى وإرشادات الخطباء والوعّاظ. فإيران في نهاية المطاف حضارة وإمبراطورية ضاربة الجذور في تاريخ المنطقة والعالم بأسره. ولن تؤخذ "عنتريات" ما يصدر عن الحرس الثوري على محمل الجد لا خارجيا ولا داخليا وبخاصة في مجلس "تشخيص مصلحة النظام". 

ولعل الولايات المتحدة وفرنسا وكل من كان له دور مباشر أو غير مباشر في سقوط الشاه وصعود وتمكين الخميني، قد أحسنوا صنعا بعدم المس ببنية الهياكل الأمنية والعسكرية للبلاد. حتى سيء السمعة بين أجهزة المخابرات في العالم "السافاك" لم يتم تدميره، بل إبعاد مادي لقياداته العليا قتلا أو سجنا أو تسريحا من الخدمة. بمعنى أن العقلاء و"الوطنيين" لم يغيبوا قط عن كواليس صنع القرار في طهران وإن غيّبوا عمدا عن مشهده المتصدر. فـ "مشهد" شيء و"قم" شيء آخر، ولا يفشي الأول سر الآخر بالضرورة فيما تقاطع من عوالم الدين والسياسة والتجارة والصحافة.  

العالمون بالأمور في إيران يعلمون أن "جعجعة" التصريحات الصادرة لثني العقوبات الأمريكية عن مبتغاها واستمرار قائمة الاستثناء في استيراد النفط من إيران انتهت إلى دون "طحن". فها هي الدول الأعلى صوتا في الاحتجاج كتركيا والصين تمتثل للقرار الأمريكي. 

والخبراء في مصلحة النظام من العسكريين يعلمون يقينا أن مواجهة عسكرية مع إسرائيل أو أمريكا ستحسم بيد المبادر بتوجيه الضربة الأولى. ضربة لا يجدي معها منطق صدام ولا الخميني ولا خامنئي ولا سليماني. الضربة الأولى في ظل ما جرى في سوريا ولبنان والعراق واليمن، لن تكون لغايات "ليّ الذراع" المسألة ستتعدى الكسر إلى حد التهشيم ما لم يكن الإفناء. نقول هذا رافعين أكف الضراعة إلى العلي القدير أن يجنب الجميع ويلات حرب كهذه التي ستكون حتما أكثر من تقليدية وأقل من نووية ما لم يصدق وعيد الرؤوس الساخنة في طهران باستهداف الوجود العسكري الراهن على مقربة من مضيق هرمز. 

يعلم العسكريون الاستراتيجيون أكثر من غيرهم ما تعنيه قاذفات B-52. تلك التي "تحرث" الأرض وما تحتها بالقنابل "السجادية". يعلم السياسيون الإيرانيون وبالأخص الدكتور جواد ظريف عميد الدبلوماسية الإيرانية وصانع اتفاق طهران النووي مع نظيره الأمريكي الديمقراطي وزير الخارجية الأسبق جون كيري أن ترامب غير أوباما، وأن الرئيس الحالي لأمريكا والمقبل على الأرجح يعني ما يقول والخطوط الحمراء لديه حقيقية لا إعلامية.

يعلم مجلس تشخيص النظام أيضا مدى الإنهاك الذي تعرضت له إيران وحلفاؤها ووكلاؤها في حروب العراق ولبنان وسورية واليمن. ويعلمون أيضا أن الأعداء التاريخيين قد ازدادوا قوة وإصرارا على التحالف والمواجهة فلم تعد أمريكا وحدها مع إسرائيل في مواجهة إيران بعد تبدل التحالفات الإقليمية على نحو غير مسبوق. 

فمتى يرفع ذاك "المتنفذ الكتوم" في طهران الهاتف ويخابر ترامب؟ أظنه قاب قوسين أو أدنى، أقروا ذلك علانية أم أبقوه في تقية تفشيه مذكرات ترامب يوما ما!