انعطافة إستراتيجية عميقة بين الرياض ـ بغداد

يمكن وصف المبادرات السعودية الأخيرة ناحية العراق الشقيق بأنها، وعن حق، انعطافة إستراتيجية عميقة، تؤكد وضوح الرؤية لدى صانع القرار في المملكة، والعزم على بلورة منهج ضبط المسافات في الأوقات القيمة ما بين الرياض، وبقية عواصم العالم، لا سيما العربية القريبة جغرافياً، والوثيقة واللصيقة الصلة ديموغرافياً، وحيث روابط الدم والإخوة، الدين والثقافة، عاصم في زمن العواصف.
زيارة الوفد السعودي إلى العراق الأيام القليلة المنصرمة، وبمزيج فريد من وزارة التجارة والاستثمار من جهة، والثقافة من جهة ثانية، يبين ما أشرنا إليه أكثر من مرة، عن حالة نهضة فكرية سعودية، نهضة تدرك الحاجات العصرانية للسياسات الدولية، إذ لم تعد القضايا أمنية أو عسكرية فقط، بل بات البعد الاقتصادي، وكذا الاجتماعي، عطفاً على عوامل الموروث التاريخي، جميعها فاعلة في إعادة تشكيل الهويات اللزجة والمتغيرة، في عالم جيوبوليتيكي متغير وسريع.
حين تجري المقادير بافتتاج قنصلية سعودية جديدة في بغداد، فإن حساب الحصاد الأولي يعني بناء جسر جديد بين عاصمة الرشيد والمملكة، جسر إنساني من اتجاهين كما وصفه وزير التجارة والاستثمار السعودي ماجد القصبي، يعزز العلاقات بين البلدين، ويسهل التعامل الحياتي على كافة الأصعدة.

يلفت الانتباه في زيارة الوفد السعودي الذكاء الاجتماعي في مصاحبة وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي بات حقاً وقولاً أحد محركات الوعي السعودي المتجدد في الآونة الأخيرة، للوفد الاقتصادي، وكأنهما جناحان لا بد لهما من أجل مستقبل علاقات سعودية عراقية تستنهض من الماضي التليد مآثره، وكلماته خلال زيارته لشارع المتنبي عن العراق و«الحضارات التي لها قصة لم ترو»، يشبع ولا شك حاجات الشوفينية الإيجابية إن جاز القول عند الإخوة العراقيين، ويعيد إليهم ثقتهم في أنفسهم بعد عقود طويلة من الاضمحلال، كاد الرماد يغطي فيها على دولة وشعب تتراكم تحت جلده حضارات خمس، وليس حضارة أحادية.

الذين قدر لهم متابعة زيارة الوفد السعودي بنظرة تحليلية عميقة، أدركوا أن المملكة تذهب في طريق العراق ضمن إرادة عربية واسعة لاستعادته مرة أخرى إلى الأحضان العربية، والسعودية لا تلعب على المتناقضات الطائفية، أو تغازل الأوتار العرقية المتباينة، ولم تكن يوماً مدفوعة بفلسفة المحاصصات الضيقة الأفق، التي تؤدي إلى التشارع والتنازع، وإنما رأينا وفداً يتوجه إلى العراق الدولة، وإلى الشعب العراقي، بمختلف أطيافه وأطرافه كتلة واحدة، والهدف المنشود هو بث المزيد من التشجيع والحماسة في صفوف العراقيين، من أجل الوصول إلى حالة الاستفاقة الكاملة والخلاص من الأسر الآيديولوجي والدوغمائي وحتى اللوجيستي، لقوى لا تحمل خيراً للعرب طوال التاريخ.

قبل زيارة الوفد السعودي إلى العراق بدا وكأن هناك صحوة عربية جهة العراق، فقد رأينا على سبيل المثال السيد عادل عبد المهدي رئيس وزراء العراق في مصر، وشاهدنا قمة مصرية أردنية عراقية، وقرأنا عن شراكات مستقبلية ترتسم في الأفق، لا سيما أن الحاجة الآنية تولد الكثير من الرغبات عند العرب لمزيد من التضامن المنشود والمفقود، فمن تجارة واقتصاد مشترك، وعراق يحتاح إلى إعادة بناء البنية التحتية، إلى أزمة لاجئين ومشردين، وإرهاب لا يظن أحد أنه اختفى مرة وإلى الأبد، بل ينتظر الفرصة ليعود من جديد بأقنعة مختلفة، تبقى الحاجة للقاء والحوار والجوار.

أدركت المملكة وبعمق أن كافة مربعات العلاقات التي تترك فارغة من الجانب العربي والخليجي في العراق، سوف تسعى إلى ملئها ثلاث قوى غير عربية، لا تقيم للمصالح العربية وزناً، ولا تحفل بها، ونحن نتكلم عن إيران وتركيا، وحتى إسرائيل التي لا توفر مؤخراً جهداً لإيجاد مداخل طروادية لكافة بقاع وأصقاع العالم، وهو إدراك جيد وفاعل يراعي واقع العراق القادم. لا يفوتنا أن نشير إلى تصريح أخير أطلقه المرشد الإيراني على خامنئي قبل أيام وغداة زيارة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى إيران، فقد انتقد التقارب السعودي – العراقي، معتبراً أنه لا يعكس حقيقة موقف الرياض من بغداد. لا تدهشنا تصريحات خامنئي ولا شهوات قلبه السلبية ناحية التقارب بين الإخوة في المحيط العربي، ولهذا لا يوفر أن يضع العصا في دواليب العلاقات التي وصفها الرئيس العراقي برهم صالح بأنها ذات جذور تاريخية، وتنمو وتتعزز باطراد، وبما ينسجم وتطلعات قادة وشعبي البلدين الشقيقين.

يحتاج العراق إلى الطوق العربي بأسرع ما يمكن لإنقاذه من الخناق الإيراني التركي الذي يحاول أن يقبض على رقبته، وبخاصة في ظل معطيات مرتبكة وملتبسة شرق أوسطياً، بعضها نتيجة طبيعية لأحداث عقدين من الانحدار العربي، والبعض الآخر إفرازات منطقية لمعطيات صراع شرق أوسط محتدم، ولا يعرف أحد إلى أين تمضي بوصلته.

الانفتاح السعودي الأخير على العراق يفتح الأبواب واسعة، ويعبد طريق حلم إنتاج مشروع عربي جديد في المنطقة، بجناحيه التكامل الاقتصادي، ورؤية للدفاع العربي المشترك.
لا يتوجب على العرب انتظار «عودة غودو» العراقي، الذهاب إليه أرفع وأنفع في الحال دون الاستقبال.