إيران والاستثمار في بقاء «داعش»

توشك الرقعة الجغرافية التي احتلها تنظيم «داعش» على الاضمحلال، بحسب تأكيدات البنتاجون، لكن التنظيم نفسه لن يختفي. وكانت الخلاصة التي جاء بها وزير الخارجية الأميركي إلى نظرائه من 75 دولة مشاركة في «التحالف الدولي» أن الحرب على «داعش» لم تنتهِ بعد. وهي الخلاصة نفسها التي انتهت إليها الحرب على تنظيم «القاعدة»، فبعدما طورد طويلاً في كهوف ”تورا بورا“ وكل أنحاء أفغانستان، إذا به يظهر في أماكن كثيرة من باكستان إلى اندونيسيا ومن العراق إلى سوريا واليمن والصومال ومن ليبيا إلى مالي والنيجر وغيرها، ولم يجد قادته ملاذاً آمناً إلا في إيران. وبما أن «داعش» وليد «القاعدة» فإنه تجاوز الأصل بكثير من الأساليب، خصوصاً في التجنيد الخارجي، كما في التخطيط لما بعد النهاية المحتومة بالحفاظ على مخابئ أسلحة وخلايا نائمة، كما في البحث عن ملاذات لإيواء أفراده وإعادة ترتيب صفوفه، ولذلك تتوالى التحذيرات من «داعش» التالي. خلصت العمليات القتالية الكبرى إلى نتيجة يمكن إجمالها بأن «دولة الخلافة» تمّ القضاء عليها، وأن التنظيم ضعُف للغاية، وأنه فيما كان يعتقد أنه يدافع عن «الخلافة» إنما كان يستدرج الدمار إلى عشرات المدن والبلدات التي كانت أهم حواضر مسلمي العراق والشام اقتصاداً وعلماً وعمراناً. وفيما كان يعتقد أنه يعلي شأن الدين والشريعة كان يدير إحدى أكبر العصابات الإجرامية في التاريخ الحديث، فقبل أن يُقصم ظهره ويباشر انكفاءه كان قد قتل أو تسبّب بقتل عشرات ألوف المسلمين وارتكب أبشع المجازر والممارسات في حق أتباع أديان أخرى. ولو أراد أعداء الإسلام بكل مذاهبه واجتهاداته أداة لهذا الخراب لما وجدوا أفضل من ذلك التنظيم. وإذ بات محسوماً أن ظهور «داعش» وانتشاره كان جريمة فقد حُسم أيضاً، بلا مبالغة، أن ثمة مستفيدين مباشرين وغير مباشرين منها، كما هي الحال مع أي جريمة.

لا يمكن اعتبار هذه الحرب في صدد الانتهاء لأن الأسباب والظروف التي أشعلتها لم تمسّها الحرب ولم تعالجها بل خرجت منها أسوأ مما كانت عليه. ولذلك تجب معاينة النتائج في ضوء ما آلت إليه أحوال الأبرياء المتضرّرين والمستفيدين المتنافسين على أبوة «النصر على داعش». في الموصل والأنبار لم يكن هناك دمار بل حياة شبه طبيعية رغم صراع مرير بين المجتمع وحكومة بغداد، إذ لم يخفِ رئيسها طائفيته ولم يشأ أن يتعامل مع التظلّمات المعلنة والمحقّة، فكان أن نشأ التنظيم وتغلغل وطرح نفسه حلّاً وبديلاً، وكانت الكارثة. في الرقة ودير الزور أيضاً لم يكن هناك دمار بل كان عموم سوريا في صراع مع نظام دمشق الذي صنّف شعبه «إرهابياً» فاستدرج البلد إلى حرب أهلية ثم إلى تدخّلات أجنبية ظنّها أهون من منح الشعب حقوقه أو بعضاً منها. وفي العاصمتين كانت إيران صانعة القرار ومحركته، ومن طهران يدير قادة «القاعدة» مقاتليهم المنتشرين محافظين على صلة مع ما عُرف بـ«جبهة النصرة» وبأسماء شتّى، وفي أرجاء العراق وسوريا يجول «خبراؤها» ويتخالطون مع قادة «داعش» ويديرون خلافهم مع «القاعدة» وانفصالهم عنها.

ربما يمكن اعتبار الأطراف الفاعلة في «الحرب على داعش» مستفيدة: فالتنظيم أعاد الولايات المتحدة إلى حرب على الإرهاب كانت اعتقدت أنها بقتلها أسامة بن لادن توّجت انتهاءها منها، لكنها تعتزم الانسحاب من سوريا. روسيا تذرّعت بمحاربة الإرهاب لتسحق فصائل المعارضة وتنقذ نظام دمشق وتتخذ من سوريا منصّة لمساوماتها الدولية. وما كان للنظام نفسه أن يبقى لولا مشاركته مع الإيرانيين في هندسة ظاهرة «إرهاب ما بعد القاعدة». وتركيا شاركت أيضاً في تدفق المقاتلين إلى التنظيم وبدأت أخيراً تحصد مكافأتها بالتنسيق مع روسيا. لكن المستفيد الأول والأهم يبقى نظام الملالي الذي ساهم في صنع الوحش وتسمينه ثم في محاربته وهزيمته، وهو الذي يلملم الآن فلوله لمعاودة إطلاقه أكثر توحّشاً. كانت المرحلة المقبلة من الحرب على الإرهاب المحور الرئيسي لاجتماع وزراء دول التحالف، ولعل الجديد أن واشنطن باتت – أخيراً – تربط رسمياً ضمان عدم ظهور «داعش» مجدّداً بخروج إيران وميليشياتها من سوريا وبضبط هذه الميليشيات في العراق. لكن المشكلة الملحّة تتمثّل في إعادة إعمار المناطق التي طُرد منها التنظيم لأن تركها مهملة وغير مؤهلة للعيش فيها أتاح للتنظيم استئناف تجنيد المقاتلين خصوصاً في أرياف العراق.