3660  یوما  ..مذكرات شاب كوردستاني في المعتقلات العراقية (36)

كان سجن ابو غريب يتكون آنذاك من الاقسام التالية:

1-  قسم الاحكام الخاصة، كان جميع نزلاؤه سياسيون، بغض النظر عن الخلفية الفكرية والايديولوجية والقومية والدينية والمذهبية.

2- قسم الاحكام الثقيلة، نزلاؤه كانوا يتألفون من المحكومين على خلفية جرائم القتل والسرقة والسلب والنهب، بلا شك قدر تعلق الامر بالقتل كان يشمل المدانون بالقتل السياسي ايضا.

3- قسم الاحكام الخفيفة، نزلاؤه كانوا من المخالفين والهاربين من الخدمة العسكرية، علاوة على المحكومين بالسجن لمدد قصيرة.

4- قسم اطلاق السراح، كان يضم المحكومين بمدة سجن ثلاث سنوات وما دون ذلك.

5- قسم اطلاق سراح الاجانب، نزلاؤه كانوا من المسجنونين من غير العراقيين، مهما كانت التهم التي ادينوا بها.

6- كان هناك قسم خاص يطلق عليه (القسم 1 معمل)، وكان يأوي الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم الاحكام القضائية، خصوصا رجال الاستخبارات والعسكريين، ومن ثم المدنيين ايضا.

القسم الذي كنت مسجونا فيه، قسم الاحكام الخاصة، كنت على اطلاع تام به. وعند وصولنا الى قسم الاحكام الخاصة وانزلونني هناك، ادخولني القسم من بوابة حديدية كبيرة، جدران القسم كانت عالية جدا، ترجلنا ومشينا فوق مصطبة اسمنت كونكريتية، ثم ادخلوني قاعة فسيحة، كان فيها عدد كبير من المسلحين، الجميع كانوا يرتدون البزة العسكرية زيتونية اللون، صورة كبيرة لصدام حسين الرئيس العراقي آنذاك، كانت معلقة على احدى جدران القاعة، فيما غطت شعارات تمجد حزب البعث باقي جدران القاعة بكثافة. طقس القاعة كان باردا جدا، ومن سوء حظنا فان شتاء ذلك العام كان باردا كثر فيه هطول الامطار. مررنا بباب اوصلنا الى غرفة كان قسمها السفلي مغطى او مطليا بالاسمنت وقسمه العلوي كان من الزجاج. انها غرفة ضابط الخفر.

الوقت كان يشير الى الساعة الثالثة من بعد الظهر، كنت ارتجف من شدة البرد، اقتادوني الى حيث ضابط الخفر. لوحة تعريف الغرفة دون عليها العبارة التالية (قسم الاحكام الخاصة لاصلاح الكبار). قرأ الضابط بدقة ملفي، ثم قال للحرّاس: "حكم عليه باعتباره يافعا لا يودع السجن هنا." اجاب احد الحرّاس وقال: "لا بأس نودعه هنا، حتى يتم استدعاءه من هناك ويأخذونه." ساد الصمت لثوان جو الغرفة، فجأة نهض ضابط الخفر وانهال من دون سبب عليّ بالركلات والصفعات وصاح بوجهي: "انسان تافه مثلك وبعمرك الطفولي هذا، من تكون لتعادي الحكومة." ثم امر بنقلي الى غرفة الاستقبال.

اثناء ذلك كنت افكر، ترى كيف ساقضي 15 عاما على هذه الشاكلة هنا وكيف ستنتهي؟ هل سانجوا منها بسلام؟ لقد كانت ركلات وصفعات ضابط الخفر بمثابة الترحيب بقدومي، ترى ما الذي ينتظرني من تعذيب واستخفاف تاليا؟

اقتادوني عبر ممر وادخلوني تاليا في غرفة طولها 3م وعرضها 2م. كان لهذه الغرفة اسمان، فمن ناحية كانوا يطلقون عليها اسم (المحجر) حيث كان يتم فيها معاقبة السجناء المحكومين من خلال نقلهم من قاعة السجن الفسيحة ليتم عزلهم على انفراد لمدة عدة ايام في هذه الغرفة. وكانوا يطلقون عليها (غرفة الاستقبال) ايضا، حيث يتم فيه استقبال النزلاء الجدد مثلي حالتي انا الآن.

حال وصولنا امام باب الغرفة، ادخلني الحرّاس بالدفع الى داخلها، حيث وجدت ما بين (8) سجناء آخرين جالسين في احدى زواياها، وقد تيسر لنا التعارف تاليا، وكانوا كل من (ابو رامي، سمير شمعون وكان مسيحيا، عبدالرزاق سعد حرج، نشأة فرج سموعي وكان مسيحيا ايضا، قادر كركوكي، ستار المهندس، هادي ناصر، حسن النجار حيث التحق بصفوف البيشمركة بعد اطلاق سراحه واستشهد في صفوف الثورة الكوردستانية).

نشأة سموعي كان من مسيحيي مدينة الموصل، سبق له وان درس في يوغسلافيا السابقة. كل يتلقي الرسائل التي تصله من العراق عن طريق السفارة العراقية هناك. في احد الايام من عام 1985وضعوا المنوم في قدح من عصير البرتقال قدم له في السفارة العراقية. بعد شربه العصير غط نشأة في نومة عميقة لم يفق منها حتى ساعة احساسه وهو في مبنى المخبارات العراقية في بغداد. ادين نشأة على خلفية كونه من انصار الحزب الشيوعي العراقي. وقادر كركوكي كان معروفا بقادر ثلاثية، وهو كوردي من كركوك، حكم عليه بتهمة التجسس. اما ستار المهندس فقد كان مهندسا جيولوجيا ذكيا عربي القومية. وحسن النجار تم اعتقاله للمرّة الثالثة على خلفية كونه عضو في الحزب الديمقراطي الكوردستاني (الحزب الذي انتمي اليه انا ايضا (كذلك مشاركته في النشاطات السياسية. حسن النجار كان حقيقة نموذجا للانسان الشجاع تشهد له مواقفه السامية. طوال السنين التي قضيناها معا في السجن، لم ارى منه سوى النبل والجرأة والاقدام وعدم الاذعان للجلادين. لقد كان انسانا ابيا كالطود الشامخ.

هكذا وبهذه الصورة اصبحت من احد ضيوف (غرفة الاستقبال). بعد التحية، عرّفت نفسي بالسجناء الموجودين هناك، وهم بدورهم عرّفوا انفسهم. سألني احد السجناء العرب وقال: "لماذا اعتقلت ولاي جهة تنتمي؟" اجبته: "انا بارتي، اي عضو في الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يترأسه البارزاني." العربيان الشيوعيان اللذان قد لفا رقبتيهما باليشماغ الاحمر، نظرا الى بعضهما وهما يبتسمان، وقالا: "انه من جماعتنا."

هذا الكلام جاء على خلفية كون اغلبية بيشمركة البارزاني كانوا يستخدمون اليشماغ الاحمر في لف رؤوسهم او رقباتهم. بلا شك انهم كانوا يقصدون اليشماغ الاحمر الذي كان بحوزتهم. حسن النجار حال سماعه كلمة البارتي، انتابه شعور غامر، كرر الترحيب بي وبحرارة وبمزيد من الود وقال: "انا ايضا بارتي." بعدها اسدى لي بعض النصح والارشادات وشرح لي باختصار طبيعة سجن ابو غريب موضحا لي نوعية تصرفات وسلوكيات الحراس والجلادين. لقد قدم لي الكثير من الارشادات، مؤكدا ضرورة ان اكون جلدا وصبورا دوما، لان الوجود في هذا السجن لا يعني نهاية الضرب والتعذيب. لذلك من الضروري ان يتحلى المرء بالشجاعة والجلد والاقدام. كان حسن النجار قد حكم بالسجن لمدة 20 عاما، لكنه ادخل بالارشادات التي اسداها لي المزيد من السرور الى قلبي ورفع من روحي المعنوية. حقيقة كان بالنسبة لي الملاذ والسلوان، قال حسن النجار مبتسما: "عزيزي شيرزاد لا تبالي، بعد مدة قصيرة سينقلونك الى القاعة الفسيحة. وهناك ستجد كل من تبحث عنه، الكورد جميعا موجودين هناك."

عند الساعة السادسة مساء فتح باب الغرفة، جاءوا لنا بقصعة (صحن طعام معدني كبير ومستطيل الشكل، يستخدم لتوزيع وجبات الطعام على الجنود في الجيش العراقي) فيه ما بين اربعة وخمسة دجاجات مسلوقات. بعد تناول الطعام، دفع الحرّاس شابا عربيا الى داخل الغرفة، بعد ان نظرت الى هندامه وبزته المرتبة ورباط عنقه وملابسه الانيقة، فهمت بانه تم اعتقاله حديثا وحل في المكان كأنه ضيف جاء على غير موعد. هذا الشاب حال جلوسه في الغرفة بدأ يبكي بحرارة وابى ان يكف عن البكاء. بادر عبدالرزاق وسأله: "ما الامر، لم تبكي، وكأن حكما بالاعدام قد صدر بحقك؟" اجاب الشاب وهو يمزج شهقاته بالبكاء: "كلا.. لقد صدر بحقي قرار بالسجن لمدة 7 سنوات، لست ادري كيف اقضيها وكيف اتحمل كل ذلك بين جدران السجن؟" عندما قال ذلك، ضحك عبدالرزاق واشار بيده الي وقال للشاب السجين والضيف الجديد: "اخي لا تبكي، البكاء امر مخجل، انظر الى هذا الصبي وقد صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 15 عاما ولا يبالي بذلك."