وماذا بعد انتهاء داعش؟

قد لا يكون الأمر مستغرباً، بأنّ المساحة التي ستأخد خبر زوال داعش هي نفس المساحة التي أخذت عند ظهور داعش، نفس المساحة من النبأ سيأخذه؛ واذ أُثيرت الإستفسارات عند ظهور داعش على الارض، وخاصة في سوريا، عن ماهية داعش، ومن يدعمه، ومن له المصلحة في ظهوره، و تمدده، وبقائه، ومن يقدم له الدعم المالي واللوجستي، وهل يعبّر  حقاً عن الإسلام أو لا، فإنّ زواله سيثير نفس التساؤلات، وإنْ يكن  بشكل آخر، ولعل أول سؤال، هو، هل زال داعش، هل انتهى داعش فعليّاً ؟

والحق، إنّ داعش، وإن ظهرَ على شكل هيئة مسلحة، حيث تخوض المعارك، وتستخدم تكتيكات حربيّة مثلها مثل أي تنظيم مسلح في المعارك، إنمّا داعش في حقيقته هو أمر مختلف.

 وما فتأوا كانوا يُظهرون أنفسهم بهيئة منظومة ثقافيّة مختلفة، لنَقُل انهم يمثلون  تياراً يحملون من بقايا العقل الديني في طور تشكله! بمعنى آخر هم نوع من البشر يعبّرون عملياً عن متخلفوا التاريخ، لا يعرفون من نتاج العقل البشري، ولا يؤمنون  بشيء، بظنّهم إنّ الزمن كما هو قبل قرنٍ ونصف، ولذلك يتراءى لهم إنّ الحرب كسبيل لبناء التاريخ، والغنائم قوته وقوة حياتهم أيضاً.

ولا نستغرب، أنه حتى لو انتهى داعش وزال ككتلة مسلحة تمتلك قطعات وثكنات عسكريّة، فإنه لم يَزْل فعلياً، فهم عدا عن  وجودهم على شكل خلايا نائمة، يرتبطون ببعضهم بنظام سري فهم  يتواجدون في قاع المجتمعات المتخلفة والتي ما تبرح وتعصى عليهم اللحاق بالزمن، والتاريخ ، وما يصل إليه العقل البشري على الأقل في مناطقنا.

في الحقيقة فأنه وما أن يُعلَنْ عن زوال داعش، حتى يصبح الكل أمام استحقاق جديد، ولعل أول هذا الاستحقاق، هو، كيف بالإمكان منع ظهور داعش من جديد بعد إن تم إزالته بأثمان باهظة من المال والأرواح؟!

مانوّد القول هنا، وهو أنّ محاربة داعش، وان كان قبل ذلك بالسلاح وبحروبٍ مفتوحة، فإنّ في مرحلة ما بعد زواله يكون عبر تفعيل كل الأصعدة.

 وستتجدد المسؤوليات، والوظائف والمهمات، وتتغيّر الأدوار، ولعل الجهوزية في مواجهة الصُعد الفكرية-الثقافية الظلامية، ومحاربة الكراهية، تشكل سلاحاً فعالاً في قطع دابره.

ملحوظة: إنّ أحد أهم مصادر وجود داعش يكمن في حملهم للفكر والثقافة الظلاميتين، والأمر الآخر اتخاذهم الكراهيّة كنمط سلوك وحيث اللتان ما تفتئان وتكونا تشكل الخلفية القومية لدى عناصر داعش.

استطراداً، إنّ داعش أنتعش في ظروف اللا دولة، ولا يمكن أن يعيش، ويستمر عيشه، وينتعش في ظل الدولة، هو ينبت في الفوضى، وفي عالم اللاقانون مايعني إنّ أحد السبل لسد الطريق أمام ظهوره من جديد يكون عبر تسخير الإمكانيات والجهود لأجل بناء دولة تحكمها القانون، يكون فيها الناس متمتعون بحقوقهم، ويعتزون بكرامتهم .

والحال، إنّ داعش لا يقتصر وجوده فقط على من يحمل هذا الإسم، إنّما يمتد داعش ليصل إلى كل من يمارس منطق داعش ويحمل قيمه، وهم ما زالوا كُثر، ما زالوا يملكون مساحات واسعة من بلادنا، فضلاً عن وجود الراديكاليين، والمتطرفيين الذين سرعان ما يغيرون لون جلدهم حين يُتاح لهم الفُرص.

بقي القول، إنّ زوال داعش، يعني أنّ السوريين كلهم باتوا أمام مرحلة أخرى، وربما تكون أشد وطأة مما سبق، ليس لأنّ داعش سيقوم بتنفيذ تكتيكاته الجديدة، وهي القيام بعمليات إرهابية انتحارية، بقدر ما سيعمل على تحويل نقاط ضعفنا إلى نقاط قوة لديه، فكلما تأخر الحل السياسي، كلما يصبح داعش قويّاً، كلما تأخر في بناء السلام والإستقرار كلما  سيكون الأمر لصالح داعش الذي لا يفوت فرصة إلا ويستغلها في حالات الفوضى!

وحكمة المقال تفيد" لا تكمن العبرة في تقطيع الأفعى، إنّما في قطع رأسه، ولعل رأس داعش هو التخلف، لنقضي على التخلف، ونباشر بالتنميّة"!