مهرجان السينما ضد الإرهاب، بوجهة نظر سياسية – إعلامية 

 
 
مع انني لا امت للسينما ولا لأي الفنون بأية صلة، لكنني مؤمن بأن السياسية والتي هي من صلب اختصاصي لايمكن لها ان تنجح دون وجود فن ناجح يوضح للجانب الاخر المتلقي، ايا كان، وجهة النظر السياسية والاجتماعية والرؤية الحقيقية للمجتمع الذي يريد ان يعرف نفسه على شعوب ومجتمعات وعوالم اخرى.
 
للأسف، لم تكن الظروف السياسية مساعدة لشعب كوردستان لأن تكون له صناعته السينمائية الخاصة وعلى الرغم من ذلك، استطاع هذا الشعب وبمساعدة فنانيه ان يكون لنفسه ارشيفا سينمائيا متواضعا ومؤثرا في نفس الوقت في اطار افلام تتحدث عن الواقع الكوردي والظلم الذي تعرض له هذا الشعب بالاضافة الى الحديث ايجابا او سلبا حول العديد من العادات والتقاليد الموجودة داخل هذا المجتمع ، اي بالمختصر، استطاعت السينما في كوردستان وبرغم تواضعها، ان تعرج على الكثير من المواضيع .
 
وفي العصر الحالي ومع نهايات القرن العشرين، بدأ مصطلح الارهاب ينتشر في كافة مجتمعات العالم (قولا وفعلا) واصبح العالم وكأنه في حرب عالمية ثالثة ضد الارهاب فكرا وتطبيقا، وقد وضعت هوليود وفي عام 1996 ومن خلال فيلم (يوم الاستقلال) تصورا تقريبيا كتوقع مسبق لما سيحصل في العالم، وبدأت هذه التوقعات تتحقق فعليا بتنفيذ عمليتين ارهابيتين في سفارتي الولايات المتحدة الامريكية في كل من دار السلام عاصمة تنزانيا، ونيروبي عاصمة كينيا عام 1998 اي بعد عامين من عرض الفيلم .
 
بعد هاتين الحادثتين، بدأ مصطلح الارهاب والتنظيمات الارهابية بكل مسمياتها، بالتوغل والانتشار سريعا، مما شجع صناع السينما والافلام الى استغلال هذه الفرصة لابراز قدراتهم في اقناع المشاهد ببشاعة الارهاب والارهابي، اما بافلام من خيال المؤلف او من قصص ملموسة حصلت بالفعل .
 
ولاينسى الفرد الكوردستاني حادثة الاول من شباط لعام 2004 ، حيث اقدم ارهابيان على جريمة نكراء لم تكن في الحسبان وفي اولى ايام عيد الاضحى المبارك وبعد فترة قصيرة من سقوط نظام صدام ، بتفجير نفسيهما في مقري الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني اثناء استقبالهما للضيوف والمهنئين بقدوم العيد، هذه الحادثة والتي نتجت عنها الكثير من الاعمال الفنية من اغان واوبريتات، لم تجد لنفسها مكانها المناسب بين صناع الفن السابع في كوردستان، الا بعد اثني عشر عاما وتحديدا بعد ان اخذت تهديدات ارهابيي داعش تأخذ منحى خطيرا يهدد المجتمع في كوردستان، وذلك في اطار مهرجان سينمائي يعرض افلاما تحارب الفكر الارهابي بمشاركة افلام من كوردستان والعراق ودول المنطقة وحتى دول العالم.
 
ومن حسن حظي انني كنت شاهدا على ادق التفاصيل المتعقلة باقامة هذا المهرجان منذ دورته الاولى عام 2016 وحتى الدورة الاخيرة واطلعت على كل المصاعب التي واجهت الاخوة القائمين على تنظيم هذا المهرجان الذي يحمل في طياته رسالة انسانية وسياسية تحارب هذا المرض الفتاك الذي اجتاح عقول الكثيرين واصبح لزاما علينا محاربته واقتلاعه من الجذور ان امكن.
 
بدأ هذا المهرجان بامكانيات متواضعة بوجود دعم معنوي من الجهات المختصة واستمر على هذا النمط لاربعة دورات متتالية (ودون اي توقف) ، وهذا بحد ذاته نقطة مهمة تحسب بشكل ايجابي لصالح المهرجان لان الاستمرارية هي التي تعطي الحافز الاقوى لمزيد من التطور الكمي والنوعي للدورات القادمة لتفادي كل الاخطاء ولايصال الرسالة الحقيقية لما عاناه شعب كوردستان من الارهاب ولطرح حلول للخروج من هذه الافة القاتلة .
 
وبالحديث عن الدورة الرابعة للمهرجان، استطيع القول بأنها كانت من اصعب الدورات اقامة حتى الان لانها كانت مهددة اما بالتاجيل او بالالغاء بسبب ضعف وتواضع الدعم وتحديدا المادي منه، بالاضافة الى عدم وجود نية حقيقية من قبل عدد من المختصين في هذا الشأن في الجانب الحكومي لأخذ مبادرة الدعم لاسباب تتعلق باستمرار الازمة المالية في الاقليم منذ عام 2014 ، لكن الدعم المعنوي الذي قدم للمهرجان من قبل مكتب الأخ مسرور بارزاني مستشار مجلس الامن في اقليم كوردستان، شكل حافزا حقيقيا لتنظيمه واقامته بمشاركة فاقت التوقعات.
 
وشهد المهرجان نقاشا مفتوحا حول محاربة الارهاب بطريقة تصل وبسرعة لقلب وعقل المشاهد ، حيث كان الجميع متفقون وبرغم اختلافاتهم على ان السينما في المنطقة ، لم تستطع مقاومة الفكر الارهابي الذي بات صناعه ومروجيه يستفيدون  من الامكانات الفنية والتكنلوجية لايصال مايريدون للمتلقي وهم عدد ونسبة لايستهان بها . كما تنوعت الجوائز في ختام المهرجان مما شكل دافعا قويا للكثيرين للاعداد ومن الان للمشاركة في الدورة القادمة بمزيد من الابداعات.
 
ولابد من تسليط الضوء على العديد من النواقص التي شهدها المهرجان فيما يتعلق بالتنظيم والادارة بالاضافة الى عدم وجود جولات سياحية للضيوف في فصل تتوفر فيه فرصة كبيرة للسياحة الشتوية  والاطلاع على المعالم السياحية والتاريخية في مدينة اربيل وأخذ فكرة ولو ملخصة عن تاريخ هذه المدينة التي تحدت الارهاب على مر العصور، بل وكنت اتمنى ان تكون احدى الجولات لمنطقة بارزان والتي وضعت اساسا قويا لمحاربة الارهاب قبل اكثر من مئة عام بعد الحلف العشائري الذي قاده الشيخ عبدالسلام البارزاني ونص على الكثير من النقاط التي تخص حقوق المراة والطفل وحتى حماية الحيوانات والنباتات.
 
وكمشاهد ، او بنظرة اعلامية نظرا لخبرتي  ، كنت اتمنى ان يبدأ المهرجان بومضة خاصة تنبيء ببداية المهرجان ويعلن عن افتتاحها من قبل رئيس المهرجان او اي فنان قدير له باع طويل في هذا المجال او ابن لاحد شهداء البيشمركة او اي شخص كان سيقع عليه الاختيار من قبل ادارة المهرجان، كما كان ينقص المهرجان وجود العديد من اللجان التي من الممكن بل من الاكيد ان تخفف من الثقل الذي كان يقع على رئاسة وادارة هذا التجمع الفني الكبير، وفي هذه النقطة اعتقد ان هناك مبررا يتعلق بعدم وجود هذه اللجان الا وهو عدم وجود تمويل كاف ، ولكن ايضا في نفس الوقت كان من الممكن ان تكون هناك جموع من المتطوعين الذين كانوا سيضيفون مزيدا من النجاح لهذا الحدث المهم .
 
كما ارى وكمتابع سياسي، بأن التركيز على الارهاب السياسي بالدرجة الاساس مع تشخيص السبب دون التركيز عليه، لأن ماعاناه المجتمع في كوردستان بالدرجة الاساس هو الارهاب السياسي وهذا كان سببا لاختيار يوم الاول من شباط لاقامة هذا المهرجان، حيث شهدت اربيل في هذا اليوم وفي عام 2004 عملية ارهابية راح ضحيتها لفيف من خيرة القادة السياسيين في الاقليم في مقري الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني في اولى ايام عيد الاضحى المبارك.
 
ولكن، وبالنظر لما تحقق في ايام المهرجان الثلاث، من الايجابي ان نرى هذا الاقبال والمشاركة بل والتنافس ايضا والمهرجان غير مدعوم حكوميا، وحتى على مستوى القطاع الخاص لم يكن الدعم بالمستوى المرجو والمطلوب، وكثير من الذين وعدوا بدخولهم كرعاة للمهرجان انسحبوا في اخر اللحظات، اي ان المهرجان كان مهددا بعدم الاقامة اصلا او التأجيل، لذلك اعتقد بأن هذا التجمع الفني الانساني الجميل، كان ناجحا في الكثير من الجوانب بدليل التغطية الاعلامية المستمرة من الكثير من القنوات الاعلامية الكوردية والعراقية وحتى العربية والاجنبية، لكن المهرجان يحتاج ايضا الى حلول فورية ومراجعات سريعة لكثير من الاخطاء التي ان استمرت، فستكون في حينها سببا لتحول هذا المهرجان الى تجمع باهت لايمت للتسمية بأية صلة.
 
كما ساعد الوضع الامني المستقر الذي تعيشه المدينة والذي يعيشه الاقليم على انجاح المهرجان بشكل اذهل الجميع، واشاد كل المشاركين في هذا التجمع من خارج الاقليم بالوضع الامني المستقر والهدوء الذي تشهده اربيل، حيث اثبتت المؤسسات الامنية في كوردستان  وعلى رأسها مجلس الامن في الاقليم والذي يقوده الاخ مسرور بارزاني ، كفاءتها في حماية امن وسلامة مواطني الاقليم ومن يزور الاقليم حيث لم يطلب المهرجان اية قوة امنية او حتى قوة بسيطة من الشرطة لحماية تحركات الضيوف، بعكس ماهو موجود في المحافظات الوسطى والجنوبية والتي وللأسف اصبحت الدولة ومؤسساتها ضعيفة فيها بدليل ان الكاتب والمثقف العراقي الشهيد علاء المشذوب تعرض للاغتيال والغدر في ثاني ايام المهرجان.
 
وبشكل عام، تمكن المهرجان من ايصال رسالته الانسانية للجميع من خلال الواقع الانساني الايجابي الذي يعيشه الاقليم بكونه مكانا للتسامح والتعايش السلمي وان اختلفت الرؤى والاراء والتوجهات، وهذا ما قوى المنافسة بين الافلام والممثلين واصبح الهدف الاساسي لكل المشاركين بغض النظر عن الفوز من عدمه ، وهذا بحد ذاته نجاح قوي وساحق يميز مهرجان السينما ضد الارهاب عن بقية المهرجانات المدعومة من قبل الحكومة والقطاع الخاص