الحقيقة العارية .. والبئر الخاوية

كانت هناك أسطورة قديمة جدا , تروي لنا حكاية, تلك الاسطورة جسدها في القرن التاسع عشر  الرسام الفرنسي "جان ليون جيروم"  عام 1896 من خلال لوحته الشهيرة والمعروضة في متحف مولينيه في فرنسا .

هذه اللوحة الرائعة التي جسدت هذه الأسطورة إسمها

(( الحقيقة و هي تخرج من البئر )) ..

La verité sortant du puits

تقول الأسطورة أن الحقيقة صادفت الكذب ذات يوم , والذي بادرها قائلاً :-

إن الطقس رائع و جميل هذا اليوم ما رأيكَ أن نتمشى معاً ؟

نظرت الحقيقة إلى السماء و ما حولها و لتقول له , الطقس جميل ورائع هذا اليوم هلم بنا ..

و بينما كانا يتنزهان , وصلا إلى بئر كبيرة , مد الكذب يده للماء و قال للحقيقة :

كم هي رائعة ودافئة مياه هذه البئر , ما رأيك أن نسبح معاً في مياهها الرائقة ؟

شكَّت الحقيقة فيما يقوله الكذب ونظرت إليه بريبة, و لكن عندما وضعت يدها في الماء و شعرت بروعتها, وافقت على أن تسبح معه ..

وخلعا ثيابهما ونزلا الى الماء وباشرا بالسباحة معاً, غافل الكذب الحقيقة وخرج فجأة من البئر و لَبْس ثياب الحقيقة وغادر المكان يعدو مسرها بخطاه نحو البعيد  ..

خرجت الحقيقة غاضبة من البئر بسبب عريها, وركضت وراءه تبحث عنه فى كل الأماكن والإتجاهاة فزعة, عسى أن تسترد ثوبها ولتستر عورتها , ولكن دون جدوى فقد هرب بعيدا تاركا أياها في حيرة وعري وذهول ..

نظر البشر إلى عريها  وأشاحوا بوجوههم عنها فى إستهجان مشمئز, وتملكهم الغضب من فعلتها الشنيعة , أما الحقيقة المسكينة,فقد عادت إلى البئر بخطى مرتبكة يلفها الغضب واليأس والقنوط, لتستقر فيه وتختفي من فرط خجلها  والى الأبد ..

وبقيَّ الكذب منذ ذاك الزمن الغابر يختال بمشيته على الأرض بلباس الحقيقة, فكل الناس لا تريد رؤية الحقيقة المجردة و هي عارية، لأنها بعريها تخالف مفاهيم و عادات و موروثات بالية  ثوارثوها منذ الأزل وباتت لدى بني الإنسان قوانين غير مكتوبة , ومنذ ذلك الحين أيضا, يسافر الكذب متنقلا يطوف حول العالم مرتديا لباس الحقيقة, بينما لايزال البشر مصرين على رفضهم رؤية الحقيقة .. العارية .

 يُحكى أنه في بلاد الواق الواق , بلاد الغرائب والعجائب , أستقر الكذب في عاصمتها مرتديا ثوب الحقيقة وأنشأ مراكز ومقرات ومدارس ومنابر, لنشر دعوته في طول بلاد الواق واق وعرضها ,, رغم معرفة البشر من حوله أن ردائه المسروق بات لايغطي عيوب حقيقته وبشاعتها , وغالبا ما تتستر تحت رداء الدين والوطنية والشرف الزائف, في عملية تبادل للأدوار والوجوه مكشوفة وبائسة, كلها تدور في حقيقتها حول نفسها في فلك واحد معلوم ومعروف  .. 

ولكن الكذب لايبالي لطالما يأبى الناس رؤية الحقيقة العارية ,, والتي مازالت ترقد في غياهب الجًّبْ المظلمة, وكما فعل اخوة يوسف, بينما الكذب يمشي متبختراً يرفل بثوبها تحت ضوء النهار .. ولكن الى حين, وذاك الحين آت لامحالة .. قريب ..

{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} (45) سورة الحـج