مابين المرجعيات الدينية والثقافية

الثقافة والفنون هي مرآة الحضارة وتطورها وعلى مر التاريخ ومختلف العصور وفي تواصل عبر أجيال وحتى تاريخنا الحديث والى يومنا هذا .

وقبل أن نسهب في الحديث هناك مدخل مهم أود الخوض فيه, وساصوغه على شكل تساؤل, هل الحرية والديمقراطية وحتى العدالة الإجتماعية في حال حضورها أو غيابها تشكل ركنا أساسيا في تطور الفنون وإزدهار الفكر والحضارة؟  لن نذهب بعيدا ولنتحر الإجابة في تاريخنا الحديث والمعاصر خلال قرن ونيف من الزمان, فالفن والعلوم والثقافة والفكر وحتى الرياضة إزدهرت في بلاد عديدة كانت ترزح تحت دكتاتوريات أو أنظمة شمولية لايزال بعضها قائما, وكانت ولا تزال ذات صيت وصدى بعيد وكبير, في الإتحاد السوفياتي والصين ودول أوروبا الشرقية

إزدهرت الحركة الثقافية والفنية والفكرية تحت ظل الإستعمار في معظم بلادنا والتي كانت ترزح تحت أعباءه وتداعياته, وظهرت الى العالم أروع  المؤلفات والدراسات والكتب والروايات من كتاب ومثقفين ومفكرين وفي مختلف مناحي الحياة في مختلف العلوم الانسانية إضافة الى التقدم العلمي المطرد, في ظل هيمنة دكتاتوريات تاريخية من خلال إزدهار الآداب والعلوم,  وظل هذا الإزدهار مستمرا في ظل الإستقلال والتحرر, وهو ماينسحب وبنفس الإتجاه في ظل القوانين وأنظمة العالم الحر ونظرياته والتي تحكم غالبية العالم اليوم, فالأمر كما يتبين لنا ليس لصيقا تماما أو متزامنا أو مترادفا ومكملا, فالإبداع يجد طريقه دوما عبر الاشواك والعقبات, فالحرية والديمقراطية وكل الآيدلوجيات الثورية, بكل توجهاتها سلمية كانت أم مسلحة هي ليست بديلا للثقافة والعلوم, بل وربما تكون معوقا لها, فالعالم تغير كثيرا من حولنا خلال العقدين الأخيرين, والثقافة عموما أصبح تشكيلها وتوجيهها يتم من خلال وسائل التواصل الحديثة, وهيمنة كارتلات عالمية تسيطر على الإعلام وتوجهه حيث تشاء بغية تحقيق أهداف مرسومة, وهذا ما خبرناه منذ بداية القرن الحالي وما رافقه من تداعيات مأساوية من حولنا .

اليوم تتمد فكرة الدولة الدينية كواحدة من أهداف الثورة الإيرانية من حولنا لتحكمها مرجعيات دينية طائفية, وهي الحجة التي تظهر على سطح الأحداث لتطمس الحقيقة التي تكرس لتدمير قوميتنا العربية, السؤال هل من الممكن للثقافة والعلوم الانسانية المتفرعة منها ان تزدهر في ظل المرجعيات الدينية كنقطة إنطلاق لها وإعتبارها خلفية ومرجعية ثقافية .

بالقطع لم نشاهد وعلى مر العصور أي تطور أو ازدهار حضاري في أي مجتمع قام على أسس مرجعيات فكرية دينية, ورغم التطور العلمي الهائل الذي أصبح سمة العصر,والذي رافق الثورة الصناعية بشكل متسارع ومطرد والذي تزامن مع ظهور النفط وتعدد مصادر الطاقة وتنوعها, والذي كان القاطرة التي قادت هذا التحدي الكبير لعقل الانسان كي يبدع ويخترع كل ما من شأنه أن يكون أضافة للحضارة والمدنية والتقدم لاجل حياة اكثر يسرا ورفاهية .

كل هذا في مجمله ترافق ونتج عن مبدأ أصيل قامت عليه الثورة الصناعية وما رافقها من ثورة في الفكر الانساني, والتي تجلت بشمولية في مبدأ "فصل الدين عن السياسة" والتي كان اثرها كارثيا على دول اوروبا في العهود المظلمة, وحين كان كل تطور علمي أو فكري آيدلوجي يتهم الزندقة والإلحاد, لقد تخلص العالم من هذا المفهوم الذي ظل سائدا لقرون, وكسر كل قيوده, لينطلق في مسيرة التقدم الحضاري والفكري, ليواصل مشوارها الإنساني والذي إنسحب وتراجع في تلك العهود المظلمة .

لقد استعمرنا الغرب طويلا, وعمل وقبل خروجه على تقسيمنا, ولكن هذا في حد ذاته ورغم مضي عقود من الزمن لم يعد كافيا لديه, وابتدعت نظريات جديدة كانت من وحي واقع تلكم الحقبة المظلمة, من خلال إعادة أحياء فكرة ربط الدين بالسياسة, وكانت المحاولات مبكرة جدا ومن قبل ظهور حركات التحرر الوطني في عالمنا العربي, ومن قبل خروج الاستعمار من بلداننا بشكله ومفهومة التقليدي القديم, والتي كانت بداياتها خلق ماسمي إصطلاحا "بالإسلام السياسي" ومنها تنظيم جماعة الاخوان المسلمين والتي تم تكريسها لتكون منظمة عالمية ترعاها دول غربية ولا تزال ليومنا هذا, تؤمن بضرورة إعادة دورها وإحياءه من جديد, ليكون الذراع الموازية والرديفة لآيدلوجية التمدد الفارسي والدولة الدينية والتي تم لها النجاح برعاية غربية هيأت الخميني والشارع الايراني وحملته على متن طائرة فرنسية, وبعد تهيأة مسرح الأحداث لتقبل الوافد الجديد وقد كان, لتكون بداية لمرحلة جديدة شهدنا فصولها الأولى وما نزال ..

منذ تلك التواريخ المفصلية والتي صبروا عليها طويلا بدأ الأمر يؤتي أُكُله من خلال الحرب العراقية الإيرانية وتمدد النفوذ الإيراني وتصدير ثورته وإضعاف العراق والقضاء عليه كقوة اقليمية وتحت مظلة دينية طائفية, وهذا كله لم يكن بعيدا عن حركة تطور وتغلغل وإنتشار حركة الاخوان المسلمين كقوة متنامية وفاعلة على الأرض في الكثير من بلداننا العربية والإسلامية, من خلال المد الشعبوي لها تحت غطاء ديني أيضا, وجاءت بعدها ثورات ماسمي بالربيع العربي لتؤصل واقعا جديدا على الارض لنظريات الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة ولتتحول النظرية الى التطبيق ومقياس مدى نجاحاتها واخفاقاتها,لغرض تصحيح المسار, وكما شاهدنا لتخلق واقعا جديدا مأسوفا عليه من خلال تكريس مفهوم الدولة الدينية وإعادة ربط الدين بالسياسة كقوة سلطوية شمولية .

كل هذا كان تهيئة ومقدمة لما حدث وسيحدث, اليوم الكثير من بلادنا تعاني من هذا المد والذي اطلق عليه مصطلح الاسلام السياسي لتحكمنا بشريعة وقوانين وثقافة زائفة وهجينة ومسمومة, ولتكون المرجعيات الدينية هي مرجعياتنا الفكرية والثقافية لتعود بنا الى عصور الظلام وعصور ما قبل النهضة, وهذه كانت هي الوعود التي تعهد حملة  لواءها على جناحي هذه الحركة " جماعة الإخوان وولاية الفقيه " بها امام اسيادهم الذين صنعوهم وأمام التاريخ .

الثوابت الدينية واحدة عند مختلف الشعوب وباختلاف الأديان ولكن التشريع والقوانين أُستُحدثت كبديل حضاري يواكب متطلبات التطور وزيادة السكان وتنوع الثقافات والحاجة الملحة والمتجددة للتنظيم, فكانت الدساتير والأنظمة والقوانين تستمد من المجتمع وحاجاته مع حركة التطور المطردة وتعمل على مواكبتها نحو حياة أفضل .

اليوم نرى مظاهر مربكة ومفككة وضحلة تظهر لنا كثقافة بديلة عنواها نشر الطائفية والخرافات والمهانة من خلال طقوس وشعائر لم نر لها مثيلا في تاريخنا الاسلامي, تكرس على جلد الذات وإهانة النفس البشرية والتي كرمها الله, وترسيخ الإيمان والإعتقاد بالغيبيات وتنظم لها مواكب ومهرجانات, لتكون بديلا  لثقافتنا ومرجعا لها من خلال مظاهرها , والذي هدفه غزونا وتدميرنا من خلال تدمير وعينا .

إنه فكر شيطاني يجد طريقة لتغيير الواقع بقوة ودفع كبيرين لطمس هويتنا والهيمنة على مقدراتنا والقضاء على إرادتنا,هذا هو النموذج البديل بهدف إختراق الفكر والتنوير والوعي, هو إستعمار للفكر وقتل الوعي والإدراك للعودة بنا لعصور ظلام  تحت عباءة الدين لنشر التخلف والجهل والأباطيل, وتدمير حضارتنا وعلومنا وكل مخزوننا الفكري وتراثنا, ولترجعنا قرونا الى كهوف الظلام, فهم يلبسون الباطل عباءة الدين ليتحكموا بعقول الجاهلين والبسطاء.

باحث وكاتب*