نشأت الخمينية فانتشرت الطائفية

حين كتبتُ مقال الأسبوع المنصرم عن تشابه الحال بين الدولة الفاطمية في عام 1000 ميلادية والدولة الخمينية في عام 2000 ميلاديا ، من حيث تمددهما في الأقاليم السنية ، والعمل الممنهج للتغيير الديموغرافي والجغرافي لنشر التشيع عبر وسائل مختلفة تناسب عصر الدولتين الطائفتين ، كتب لي عدد من المهتمين بهذا الموضوع يحذرني من الاتساخ بوحل الطائفية ، وقالوا إن الأوضاع في المنطقة لا تحتمل مزيداً من سكب زيت الطائفية على نار الصراعات ، التي قد يتطاير شررها إلى المناطق التي سلمت من النزاعات الطائفية ، التي إذا هاجت ريحها فإنها تدمر كل شيء أتت عليه فتجعله كالرميم .
وأنا أوافقهم في منطقية القلق من خطر الطائفية ومقاومتها ، وأن على الأصوات العاقلة لدى كل الأطراف أن تعمل على محاربة الطائفية، والتحذير من شرورها وشررها العابر للأقاليم والدول والقارات، ولكن ما يجب أن ينتبه له هؤلاء الغيورون الصادقون، أن السكوت عن تغلغل الخمينية السياسي والعسكري والميليشياتي والآيديولوجي وتغولها في مناطق دول تتميز بالوحدة المذهبية، هو في حد ذاته تعزيز للطائفية، وهذا ما حدا بالوزير الهادئ الوقور عادل الجبير وزير الخارجية السعودي أن يحذر من تغلغل الخمينية الخطر، فقال في مؤتمر وزراء خارجية العرب الأسبوع المنصرم ، إن إيران تواصل انتهاكات الأمن القومي للوطن العربي، وإن الرياض لن تقف مكتوفة الأيدي، وأضاف: «إننا مطالبون اليوم بالتصدي لسياسات إيران حفاظاً على أمننا القومي».
ونحن هنا لا نلقي تهمة بعث الطائفية على الخمينية المتمددة جزافاً ، أو من باب المناكفة السياسية أو المذهبية إطلاقا، بل ما نقوم به محاولة جادة لبحث جذور المشكل الطائفي ، الذي بات مهدداً خطيراً للجميع ، لك أن تلقي نظرة مقارنة موضوعية وهادئة عن حال الطائفية بين السنة والشيعة قبل ثورة الخمينية وبعدها، بإجماع السنة والشيعة في العراق ودول الخليج كانت الطائفية بينهم شبه معدومة، فتعايشوا قرونا بأمان وسلام ، يتزاوجون ويتاجرون ويتشاركون في الأفراح والأتراح ، وكلهم يكرر كيف كان السنة والشيعة يتجاورون سنين عددا، دون أن يعرف أحدهم عن جاره شيعي هو أو سني؟ حتى هبت رياح الخمينية الطائفية العاتية نهاية السبعينات، فبدأت تتغلغل في البلاد العربية تحت شعار تصدير الثورة ورفع شعارات المقاومة والممانعة والوحدة الإسلامية، الشعارات التي تهاوت وبان زيفها على الثرى العراقي والسوري واليمني واللبناني.
نعم يا سادة، نحن لا نفتعل معركة كلامية أو عسكرية مع اليهودي لأنه يهودي، ولا النصراني لأنه نصراني، ولا حتى البوذي والهندوسي لأنهما كذلك ، وإلا لما تعايش معهم المسلمون في العصور المتعاقبة منذ عهد النبوة حتى زماننا هذا، ولكننا أيضا نرفض من يرفع في وجوهنا كارت الطائفية الأحمر، لمجرد أننا حذرنا من انتشار المراكز الإيرانية في دول كل مسلميها سنة، ونرفض من يتهمنا بالطائفية لأننا ننتقد الخمينية، وهي ترعى بنفس طائفي صريح كل ميليشيا تقوض الأمن والسلم في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وحتى بعض دول الخليج، ونرفض من يرمينا بتهمة الطائفية إذا انتقدنا من يرفع عقيرته ضد الطائفية، وإذا رأى وطنه في حرب وجودية مع مهددات الخمينية خنس وتوارى وصمت صمت القبور.